في خطوة أعادت رسم خريطة إدارة الشركات المملوكة للدولة في مصر، أقرّت الحكومة ضمن التعديل الوزاري الجديد إلغاء وزارة قطاع الأعمال العام، في قرار حصل على موافقة مجلس النواب، ويأتي –بحسب البيانات الرسمية– في إطار خطة شاملة لإعادة هيكلة إدارة أصول الدولة وتعظيم الاستفادة منها، دون المساس بحقوق العمالة أو اللجوء إلى تصفية الشركات.
القرار الذي طال وزارة أُنشئت في صورتها المستقلة عام 2016 لتتولى إدارة ومتابعة شركات قطاع الأعمال العام، يفتح الباب أمام مرحلة انتقالية جديدة، تتولى فيها رئاسة مجلس الوزراء –عبر نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية– الإشراف المباشر على الشركات التابعة، لحين الانتهاء من إعداد تصور متكامل لآلية إدارتها مستقبلاً.
أكد رئيس مجلس الوزراء، مصطفى مدبولي، أن إلغاء الوزارة لم يكن قرارًا مفاجئًا، بل جاء ضمن رؤية مطروحة منذ سنوات، تقوم على أن الوزارة أُنشئت لأداء «دور انتقالي» بطبيعته، وليس كيانًا دائمًا.
وقال مدبولي، في مؤتمر صحفي، إنه أبلغ وزير قطاع الأعمال السابق عند تكليفه بأن هذه الحقيبة «قد تكون في مراحلها الأخيرة»، موضحًا أن فلسفة وجود الوزارة ارتبطت بإعادة تنظيم القطاع تمهيدًا لمرحلة جديدة. وأضاف: «الوزارة أنشئت لأداء دور انتقالي، وكان من المقرر لها أن تختفي بعدها».
وشدد رئيس الوزراء على أن الهدف من القرار ليس تصفية الشركات أو المساس بالعمالة، قائلاً: «هذا الكلام غير مطروح تمامًا»، مؤكدًا أن الغاية الأساسية هي «تعظيم الاستفادة من الأصول المملوكة للدولة، والتي تقدر قيمتها بمئات المليارات من الجنيهات وقد تتجاوز تريليون جنيه، بما يحقق أفضل عائد للدولة».
كانت وزارة قطاع الأعمال العام تشرف على 6 شركات قابضة يتبعها نحو 60 شركة تابعة، فيما تشير وثائق حكومية إلى أن عدد الشركات الواقعة تحت مظلة الوزارة يصل إلى 146 شركة بين مملوكة بالكامل ومشتركة، تمثل نحو 26% من إجمالي الشركات المملوكة للدولة البالغ عددها 561 شركة حتى يوليو 2025.
وتعمل هذه الشركات في قطاعات متعددة تشمل السياحة والفنادق، والأدوية، والصناعات الكيماوية والمعدنية، والغزل والنسيج، والتشييد والبناء. ووفق بيانات رسمية، حققت نحو 75% من الشركات أرباحًا، مقابل 25% تكبدت خسائر، في حين بلغت إيرادات الشركات نحو 126 مليار جنيه، بنسبة نمو تقارب 20%، مع ارتفاع في الصادرات بنسبة 27% تقريبًا، وتحسن في القيمة السوقية بنحو 36%.
بموجب التعديل الوزاري، انتقلت مسؤولية الإشراف على شركات قطاع الأعمال العام إلى نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، في مرحلة انتقالية لحين استكمال الدراسة الشاملة لمسار إدارتها.
وأوضح مدبولي أن «الشركات التابعة للوزارة ستكون تحت متابعة نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية»، مضيفًا أن هذا الترتيب يستهدف إدارة اقتصادية مركزية أكثر تكاملًا، تتيح تنسيقًا مباشرًا بين مختلف الملفات الاقتصادية تحت إشراف واحد.
وتتضمن السيناريوهات المطروحة – بحسب تصريحات رئيس الوزراء – نقل بعض الشركات إلى الصندوق السيادي المصري، أو إلحاق بعضها بالوزارات المتخصصة وفقًا لطبيعة نشاطها، أو استمرار الإشراف المباشر عليها من خلال رئاسة مجلس الوزراء لحين الانتهاء من إعادة التقييم.
من بين الخيارات المطروحة، نقل 40 شركة إلى صندوق مصر السيادي، بهدف «تعظيم الاستفادة من الأصول وتحويلها تدريجيًا إلى آليات عمل أكثر مرونة»، فيما يجري بحث قيد 20 شركة أخرى في البورصة المصرية، بما يعزز سيولة السوق ويجذب استثمارات إضافية.
وأشار رئيس الوزراء إلى تجربة نقل الشركة القابضة للتأمين إلى الصندوق السيادي، مؤكدًا أنها شهدت «تأثيرًا إيجابيًا للغاية في الإيرادات»، معتبرًا أن هذه التجربة قد تمثل نموذجًا يحتذى به في بعض الحالات.
كما تأتي هذه التحركات في سياق أوسع يتصل بتفعيل وثيقة سياسة ملكية الدولة، وزيادة مساهمة القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي، بما يحقق نموًا مستدامًا ويعزز الاستقرار المالي.
استشهد مدبولي بقطاع الغزل والنسيج بوصفه مثالًا على حجم الاستثمارات العامة التي تتطلب تعظيم العائد. وقال إن الدولة أنفقت أكثر من 60 مليار جنيه لتطوير هذا القطاع، وهو ما يستدعي – بحسب تعبيره – «العمل على تحريك هذه الأصول بصورة أكثر كفاءة».
وأكد أن المرحلة الحالية تتطلب استثمار هذه الأموال بصورة تحقق عائدًا اقتصاديًا حقيقيًا، مع الحفاظ على البعد الاجتماعي، مشيرًا إلى أن الدراسات الفنية والمالية الجارية ستحدد السيناريو الأنسب لكل شركة على حدة.
تأسس الإطار القانوني لشركات قطاع الأعمال عام 1991 بموجب القانون 203، الذي منح هذه الشركات وضعًا خاصًا يختلف عن الشركات الخاضعة لقانون الشركات رقم 159 لسنة 1981. وتشير تصريحات رسمية وخبراء إلى أن أحد الاتجاهات المطروحة يتمثل في تحويل هذه الشركات تدريجيًا للعمل وفق قانون 159، بما يمنحها مرونة أكبر في الإدارة وإبرام الشراكات وزيادة رؤوس الأموال.
وقال الخبير الاقتصادي والرئيس السابق للشركة القابضة للصناعات المعدنية، مدحت نافع، إن إلغاء الوزارة «خطوة صائبة»، معتبرًا أن وجود جمعيات عمومية ومجالس إدارات مستقلة لكل شركة يقلل من الحاجة إلى كيان وزاري وسيط. وأضاف أن تحويل الشركات إلى العمل وفق قانون 159 سيمنحها استقلالية أكبر ومرونة في الحركة داخل السوق.
وفي السياق ذاته، أكد وليد جاب الله، الخبير الاقتصادي، أن القرار يأتي في إطار الدفع بالشركات من آليات الحكومة التقليدية إلى آليات القطاع الخاص، بما يسمح بدخولها في شراكات واستثمارات بصورة أكثر سهولة، ويعزز مشاركتها في النشاط الاقتصادي.
رغم الطمأنة الرسمية، أثار القرار هواجس في الأوساط العمالية والبرلمانية بشأن مصير الشركات والعاملين بها. وتحدث أعضاء في مجلس النواب عن مخاوف تتعلق بمستقبل الشركات الحكومية بعد إلغاء الوزارة.
وتقدم عضو مجلس النواب أحمد جبيلي بطلب إحاطة إلى رئيس الوزراء بشأن «مصير ملف شركات قطاع الأعمال العام»، مطالبًا بتوضيح الرؤية الحكومية والأساس القانوني لنقل اختصاصات الوزارة، والخطة الزمنية لكل مسار من المسارات المطروحة.
كما أشار وكيل لجنة القوى العاملة بمجلس النواب، إيهاب منصور، إلى ضرورة تقديم مزيد من الطمأنة بشأن مستقبل آلاف العاملين، خاصة في ظل وجود أكثر من 103 آلاف و839 عاملاً في الشركات التابعة للقطاع، وفق تصريحات سابقة لوزير قطاع الأعمال السابق.
في المقابل، أكد نائب رئيس اتحاد العمال بمصر، مجدي البدوي، أنه «لا داعي للقلق» في ظل تعهدات رئيس الوزراء بعدم المساس بالشركات أو العمالة، مشيرًا إلى أن الهدف الحكومي يتمثل في تطوير الصناعات وإعادة هيكلة الشركات بما يحقق الاستدامة.
يتزامن إلغاء الوزارة مع إنشاء «وحدة الشركات المملوكة للدولة» أواخر 2025، ضمن مساعٍ حكومية لإعادة هيكلة ملكية الدولة وحوكمة دورها في النشاط الاقتصادي. وتستهدف الوحدة الجديدة حصر أصول شركات الدولة وتقييمها وتحديد حجم محفظتها خلال خمسة أشهر، وفق تصريحات رسمية.
ويعكس هذا الترتيب المؤسسي الجديد توجهًا نحو إعادة تنظيم ملف الملكية العامة، سواء من خلال توزيع تبعية الشركات على وزارات متخصصة، أو نقلها إلى الصندوق السيادي، أو طرحها في البورصة، أو الإبقاء عليها تحت إشراف مركزي مؤقت.
اختتم رئيس الوزراء تصريحاته بالتأكيد على أن الهدف النهائي من هذه الخطوات هو «بناء نموذج أكثر كفاءة لإدارة أصول الدولة، يوازن بين تعظيم العائد الاقتصادي والحفاظ على البعد الاجتماعي»، في إطار رؤية تنموية واضحة حتى عام 2030 وما بعدها.
وبينما تستعد الحكومة لإعلان التصور النهائي لمسار الشركات خلال الفترة المقبلة، تبقى المرحلة الانتقالية الحالية محور متابعة من الأسواق والبرلمان والعمال على حد سواء، في انتظار ما ستسفر عنه الدراسات الجارية بشأن إعادة هيكلة واحدة من أكبر محافظ الأصول العامة في البلاد.
