في ظل تقلبات حادة تضرب الاقتصاد العالمي، وتزايد الضغوط الناتجة عن ارتفاع تكاليف الشحن والاستيراد وسعر الصرف، تشهد الأسواق المصرية حالة من الضغط الشديد انعكست بشكل واضح على حركة البيع والشراء. وفي هذا الإطار، كشف متى بشاي، رئيس لجنة التجارة الداخلية بالشعبة العامة للمستوردين باتحاد الغرف التجارية، عن ملامح الأزمة، مؤكدًا أن السوق يمر بمرحلة دقيقة تتطلب إدارة واعية لتفادي تداعيات أكثر حدة.
وزير المالية: تسهيلات جمركية استثنائية جديدة لتيسير حركة التجارة عبر الحدود المصرية
وقال بشاي، في حوار خاص لـ”البورصجية“: إن السوق لم يعد يحتمل التوصيفات التقليدية، بل أصبح أمام “مرحلة ضغط حقيقي غير مسبوق”، نتيجة تراكم عدة عوامل في وقت واحد، أبرزها ارتفاع تكاليف الاستيراد والنقل والتخزين، وصولًا إلى التاجر والمستهلك النهائي، موضحًا أن هذه الضغوط تجعل عملية التسعير أكثر تعقيدًا، وتضع جميع أطراف السوق في موقف حساس.
وأشار إلى أن الفترة بين شهري فبراير ومارس شهدت تحولًا ملحوظًا في المشهد، حيث كانت الأسواق مستقرة نسبيًا في فبراير، بفضل توافر السلع والمخزون الجيد، إلى جانب استقرار نسبي في حركة الأسعار. إلا أن شهر مارس شهد تسارعًا في التغيرات، خاصة مع ارتفاع تكاليف الشحن عالميًا وتأثير التطورات الخارجية على سلاسل الإمداد، وهو ما انعكس مباشرة على السوق المحلي.
وفيما يتعلق بطبيعة الأزمة، أوضح بشاي أن جزءًا كبيرًا منها يعود إلى عوامل خارجية، مثل أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد وسعر الصرف، إلى جانب عوامل داخلية تضاعف من حدتها، مثل تكاليف التشغيل والممارسات غير المنضبطة في بعض الأحيان.
وأكد أن تكلفة الاستيراد شهدت قفزات كبيرة، بالتوازي مع ارتفاع أسعار الشحن التي وصلت في بعض الحالات إلى نسب تتراوح بين 200% و300%، بالإضافة إلى زيادة تكاليف الخدمات اللوجستية والتأمين، وهو ما ينعكس في النهاية على السعر النهائي للسلعة.
وحول قدرة التجار على امتصاص هذه الزيادات، قال بشاي: إن هذه القدرة تراجعت بشكل واضح، مشيرًا إلى أن التجار حاولوا خلال الفترات الماضية تحمل جزء من الأعباء للحفاظ على حركة السوق، لكن استمرار الضغوط جعل هذا الخيار غير قابل للاستمرار، لأنه يهدد استمرارية النشاط التجاري.
وفيما يتعلق بآليات التسعير، شدد بشاي على أن هناك بعض الحالات الفردية التي رفعت الأسعار بشكل مبالغ فيه دون مبررات واضحة، وهو ما يصل أحيانًا إلى زيادات تتراوح بين 20% و30%، مؤكدًا أن هذه الممارسات تضر بالسوق وتؤدي إلى فقدان الثقة بين التاجر والمستهلك.
وأوضح، أن هذه الأوضاع انعكست بشكل مباشر على القوة الشرائية للمواطن، حيث أدى ارتفاع الأسعار إلى تراجع الطلب، خاصة على السلع غير الأساسية، لافتًا إلى أن السوق بدأ يظهر عليه بعض مؤشرات التباطؤ، دون أن يصل إلى مرحلة الركود الكامل حتى الآن.
وحول تأثير قرارات تنظيم مواعيد غلق المحال، أوضح بشاي أن هذه الإجراءات تأتي في إطار ترشيد استهلاك الطاقة، لكنها في الوقت نفسه قد تؤثر على بعض الأنشطة التجارية التي تعتمد على فترات المساء، ما يضيف مزيدًا من الضغوط على التجار.
وفي تقييمه لدور الدولة، أشاد بشاي بالجهود المبذولة لضبط الأسواق وتوفير السلع، مؤكدًا أن هذه الجهود ضرورية للحفاظ على استقرار السوق، لكنه شدد على أهمية تحقيق توازن بين مختلف الأطراف، بحيث لا يتم تحميل أي طرف أعباء تفوق قدرته.
وأشار إلى وجود تنسيق مستمر بين لجنة التجارة الداخلية والجهات الحكومية، خاصة فيما يتعلق برصد تطورات السوق ونقل التحديات بشكل مباشر، موضحًا أن اللجنة تركز على تقديم رؤى واقعية تعكس ما يحدث فعليًا على الأرض.
كما لفت إلى أن لجنة التجارة الداخلية خلال مارس 2026 ركزت في بياناتها على التحذير من استمرار الضغوط على تكلفة الاستيراد، والدعوة إلى ضبط الأسواق، مع التأكيد على ضرورة تحقيق التوازن بين استقرار الأسعار واستمرار النشاط التجاري.
وعن السيناريوهات المستقبلية، قال بشاي: إن تطورات السوق ستظل مرهونة بعوامل خارجية، على رأسها تكلفة الشحن وسعر الصرف، مشيرًا إلى أن استمرار هذه الضغوط قد يؤدي إلى موجة جديدة من التحديات، بينما قد يساهم الاستقرار النسبي في تخفيف حدة الأزمة تدريجيًا.
وفيما يتعلق بمخاطر التضخم، أوضح أن هناك مؤشرات على احتمالية ارتفاع معدلات التضخم حال استمرار الضغوط الحالية، إلا أن حجم هذه الموجة سيعتمد على سرعة تحسن الأوضاع العالمية والإجراءات الداخلية.
واختتم بشاي تصريحاته بالتأكيد على أن السوق المصري يمتلك القدرة على التكيف، لكنه يحتاج إلى إدارة رشيدة للأزمة، إلى جانب حزمة من الإجراءات تشمل تسهيل الاستيراد، وتخفيف الأعباء عن التجار، وتشجيع الإنتاج المحلي، فضلًا عن ترشيد الاستهلاك، باعتبار أن المستهلك أيضًا شريك أساسي في تحقيق استقرار السوق.







