شهدت مصر خلال الربع الأول من عام 2026 حراكًا استثنائيًا وتطورًا ملموسًا في قطاع البترول والغاز الطبيعي.
حيث تتضافر الجهود التشريعية والتنفيذية لتعزيز الاحتياطيات المحلية وتقليص الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك.
وتأتي هذه التحركات في إطار استراتيجية وطنية شاملة تهدف إلى جذب استثمارات أجنبية جديدة، وتقديم حوافز مرنة للشركات العالمية.
مما أثمر عن اكتشافات واعدة وموافقات برلمانية لضخ دماء جديدة تدعم الاقتصاد الوطني، وتحافظ على مكانة مصر كمركز إقليمي حيوي للطاقة.
دعم تشريعي موسع لشراكات عالمية ومحلية
في خطوة استراتيجية لتعزيز البنية الاستثمارية للقطاع، وافقت لجنة الطاقة والبيئة بمجلس النواب، خلال اجتماعها اليوم الثلاثاء 24 مارس.
والذي ترأسته النائبة رشا رمضان، وكيل اللجنة، على 5 مشروعات قوانين مقدمة من الحكومة بشأن الترخيص لوزير البترول والثروة المعدنية للتعاقد مع عدد من الشركات العالمية والمصرية للبحث عن البترول والغاز وتنميتهما واستغلالهما.
وتشمل هذه الاتفاقيات مناطق حيوية موزعة على الصحراء الشرقية، والغربية، ودلتا النيل، وخليج السويس، وتضمنت القوانين التعاقد مع شركات “سي آي إس جاز إس إيه”، و”أتن بتروليوم ليمتد”، و”تييرا بتروليوم” للعمل في منطقة غرب خير بالصحراء الشرقية.
وجرى التوافق على تعديل اتفاقيات لشركات كبرى مثل “وينترشال ديا” بمنطقة دسوق بدلتا النيل، و”كايرون زعفرانة” و”صحاري للزيت والغاز” بشمال الزعفرانة في خليج السويس، فضلاً عن شركات أخرى للعمل في منطقة بدر الدين بالصحراء الغربية.
وشدد أعضاء مجلس النواب على ضرورة تقييم العوائد الاستثمارية بدقة لضمان أعلى استفادة ممكنة لدعم الموازنة العامة للدولة.
الصحراء الغربية.. مؤشرات إيجابية واكتشافات نوعية
وتجلت ثمار هذه السياسات الاستثمارية المحفزة بوضوح في إعلان وزارة البترول بالتعاون مع شركة “أباتشي” العالمية عن كشف واعد في منطقة جنوب كلابشة بالصحراء الغربية، وأسفرت نتائج حفر البئر الاستكشافية عن أرقام مبشرة.
حيث بلغت معدلات الإنتاج اليومية نحو 26 مليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي، بالإضافة إلى حوالي 2700 برميل من المتكثفات.
ويمثل هذا الاكتشاف إضافة نوعية لمنظومة الإنتاج المصري، وتكمن أهميته الكبرى في موقعه القريب من مناطق الامتياز الحالية.
مما يتيح الاستفادة القصوى من البنية التحتية والتسهيلات الإنتاجية القائمة، وهو ما ينعكس إيجابًا على تقليص تكاليف التشغيل وتسريع عملية ربط الكشف الجديد بشبكات الإنتاج.
ولم يقتصر النشاط المكثف على موقع واحد، فقد شهد الربع الأول من العام الجاري إنجازات استكشافية واسعة.
ففي البحر المتوسط، حققت شركة “شل” كشفًا واعدًا عبر البئر “سيريوس 1X” بعمق 2115 مترًا قبالة السواحل المصرية، وسط توقعات بربطه بالإنتاج بحلول عام 2029.
وبالتزامن مع ذلك، قررت شركة “أركيوس إنرجي” الإماراتية تسريع تنمية حقل “هارماتان”.
أما على صعيد الاكتشافات البرية، فقد سجلت شركة “خالدة للبترول” بئرًا واعدًا يحمل اسم “شمال أوبرا-2” بإنتاج بلغ 21 مليون قدم مكعب من الغاز يوميًا.
كما نجحت شركة دسوق للبترول، بالتعاون مع “هاربور إنرجي”، في حفر البئر “عز- 2” بدلتا النيل، الذي كشف عن طبقة غازية بسُمك يقارب 23 مترًا.
ولتعزيز هذا الزخم، وضعت الحكومة خطة متكاملة لخمس سنوات تشمل حفر 480 بئرًا باستثمارات تصل إلى 6 مليارات دولار، مدعومة بأحدث التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات.
مواجهة التحديات ومستقبل الاستدامة
وتأتي هذه السلسلة من الاكتشافات السريعة والموافقات البرلمانية في توقيت بالغ الأهمية، استجابةً للتحديات التي تواجه القطاع.
خاصة مع رصد تراجع في الإنتاج الإجمالي للغاز إلى نحو 3.8 مليار قدم مكعب يوميًا خلال مارس 2026، بسبب الانخفاض الطبيعي لإنتاج الحقول القديمة.
ورغم ذلك، فإن الشراكات الاستراتيجية الجديدة، والتوجه نحو استخدام تكنولوجيا المسح السيزمي المتقدمة، يؤكدان إصرار الدولة على تعويض هذا التراجع، وتعزيز قدرة قطاعها البترولي على تحقيق الاكتفاء الذاتي والتنمية المستدامة.






