في سلوك غير معتاد للأسواق، تراجع الذهب خلال الحرب ضد إيران، رغم تصاعد التوترات التي عادة ما تدفع المستثمرين نحو المعدن الأصفر. ومع وصول سعر الأونصة إلى نحو 4390.01 دولارًا، برزت تساؤلات حول أسباب هذا الأداء المخالف للقاعدة التقليدية التي تضع الذهب في صدارة الملاذات الآمنة.
ومنذ اندلاع الحرب، واجهت الأسواق العالمية موجة اضطرابات حادة، خاصة مع تصاعد المخاوف من تعطل إمدادات الطاقة وارتفاع أسعار النفط إلى مستويات قاربت 100 دولار للبرميل. هذه التطورات كانت، نظريًا، كفيلة بدفع الذهب إلى الصعود، إلا أن ما حدث على أرض الواقع كشف عن تغيرات أعمق في سلوك المستثمرين وآليات التسعير.
كان الذهب قد بدأ عام 2026 بزخم استثنائي، إذ سجل ارتفاعات كبيرة مدفوعة بحالة عدم اليقين العالمية، قبل أن يبلغ مستويات قياسية تجاوزت 5300 دولار للأونصة. لكن هذا الارتفاع لم يستمر مع اندلاع الحرب، حيث دخل المعدن الأصفر في موجة تصحيح هابطة، فقد خلالها جزءًا ملحوظًا من مكاسبه.
بحسب تحليل صادر عن بنك أوف أميركا، فإن العامل الأبرز وراء تراجع الذهب يتمثل في اندفاع المستثمرين نحو السيولة، بدلًا من التحوط.
وقال المحلل لوسون ويندر إن المستثمرين “لجأوا إلى تصفية بعض الأصول الآمنة، بما في ذلك الذهب، لتوفير سيولة مالية وسط التقلبات الحادة في الأسواق”، ما حدّ من استفادة المعدن من التوترات الجيوسياسية.
هذا التوجه انعكس بوضوح في تخارج المستثمرين من صناديق الذهب، حيث سجّل صندوق SPDR Gold Shares تدفقات خارجة متتالية، في إشارة إلى تحول في سلوك المستثمرين، خاصة الأفراد.
ويرى محللون أن جزءًا كبيرًا من عمليات البيع لم يكن نتيجة فقدان الثقة في الذهب، بل بسبب الحاجة إلى السيولة. فمع تراجع أسواق الأسهم والعملات، اضطر مستثمرون إلى بيع الذهب لتغطية خسائر أو تلبية متطلبات الهامش، ما حوّل المعدن من أداة ادخار إلى “وسيلة طوارئ مالية” خلال الأزمة.
في المقابل، صعد الدولار ليؤدي دور الملاذ الأول، مستفيدًا من الطلب على الأصول السائلة. وقال كريستوفر بودين دي لارش، نائب الرئيس التنفيذي للاستثمار في شركة (NCM)، إن “الأسواق شهدت هروبًا واضحًا نحو السيولة، وهو ما دعم الدولار وضغط على الذهب”، مشيرًا إلى أن المعدن لم يفقد صفته الدفاعية بالكامل، لكنه لم يعد الخيار الأول في أوقات التوتر السريع.
وأكد نور الدين محمد، رئيس مجلس إدارة “تارجت للاستثمار”، إلى أن العلاقة التقليدية بين الذهب والأزمات تعرضت لاختلال واضح، وأوضح أن ارتفاع أسعار النفط لم يدعم الذهب كما هو معتاد، بل ساهم في إضعافه عبر رفع توقعات التضخم.
وأكد محمود نجلة، المدير التنفيذي لأسواق النقد والدخل الثابت بشركة الأهلي للاستثمارات المالية، أن ارتفاع أسعار الطاقة تدفع البنوك المركزية إلى التريث في خفض الفائدة، وربما الإبقاء عليها مرتفعة لفترة أطول”، مشيرًا إلى أن ذلك يعزز قوة الدولار ويضغط على الذهب.
وقال لطفي منيب، نائب رئيس شعبة الذهب والمجوهرات، إن بعض الحكومات “قلّصت مشترياتها من الذهب وركزت على تأمين احتياجاتها من النفط”، في ظل ارتفاع أسعار الطاقة، ما حدّ من الدعم المقدم للأسعار.
قال باسل الخطيب، المحلل الاقتصادي، إن تراجع الذهب “يعكس تداخل عدة عوامل، أبرزها تثبيت الفائدة الأميركية، وتحول المستثمرين نحو المضاربة في النفط، إلى جانب تراجع مشتريات البنوك المركزية، وأضاف أن السوق يشهد “تغيرًا واضحًا في سلوك المستثمرين”، مع بقاء الذهب قويًا على المدى الطويل، لكنه أكثر تأثرًا بالسياسات النقدية.





