في القاهرة، لا يُذكر رمضان دون أن يُذكر مسجد الحسين. فالمكان ليس مجرد مسجد تاريخي يتوسط حيًّا عريقًا، بل هو حالة روحية خاصة، وذاكرة متجددة تتكرر كل عام مع أول نفحات الشهر الكريم.
حواديت رمضانية ..”طبق الجيران”… حين كان الطعام رسالة محبة
منذ ساعات العصر، تبدأ الساحة في استقبال زوارها. عائلات جاءت من أحياء بعيدة لتفطر هنا، شباب يحملون تمرًا ومياهًا يوزعونها على المارة، ومريدون جلسوا في صمت ينتظرون أذان المغرب. لحظة الأذان في الحسين لها وقع مختلف؛ صمت مهيب يسبق التكبير، ثم ترتفع الأصوات بالدعاء في مشهد يختلط فيه الخشوع بالدموع.
بعد الإفطار، تمتلئ أروقة المسجد بالمصلين لأداء التراويح. صفوف ممتدة، وأصوات قرآنية تتردد بين الجدران العتيقة. ثم تبدأ حلقات الذكر والمدائح النبوية في الساحة، حيث يجلس محبو الإنشاد في دوائر صغيرة، يرددون الكلمات في تناغم روحي يُشعر الحاضرين بأنهم في زمن آخر.
المقاهي المحيطة تضيف لمستها الخاصة؛ فناجين الشاي بالنعناع، وأحاديث الأصدقاء، وضحكات تمتد حتى السحور. هنا، لا يكون رمضان طقسًا دينيًا فقط، بل اجتماعًا إنسانيًا واسعًا، تذوب فيه الفوارق الاجتماعية، ويجتمع الناس تحت مظلة واحدة: محبة الشهر الكريم.
الحسين في رمضان هو صورة مكثفة لمصر نفسها؛ روحانية عميقة، ودفء اجتماعي، وحكايات لا تنتهي. لذلك، يبقى المكان أحد أهم الارتباطات الوجدانية للمصريين بالشهر الفضيل، وكأن رمضان لا يكتمل إلا بليلة تُقضى عند الحسين.
