رمضان في مصر ليس مجرد شهر للصيام، بل هو موسم للحكايات التي تتوارثها الأجيال. ففي كل زاوية من القاهرة القديمة قصة، وفي كل عادة رمضانية حكاية صنعتها الأيام وبقيت في ذاكرة الناس.
حواديت رمضانية .”طبق الجيران”… حين كان الطعام رسالة محبة
وفي سلسلة «حواديت رمضانية من البورصجية» نحاول استعادة تلك التفاصيل الصغيرة التي صنعت روح رمضان المصري، حيث تختلط الطقوس الدينية بالعادات الشعبية التي عاشها الناس في البيوت والحارات والمساجد.
ومن بين أشهر رموز رمضان في مصر يبرز مدفع الإفطار، ذلك الصوت الذي كان ينتظره المصريون كل يوم ليعلن لحظة انتهاء الصيام وبداية الإفطار.
ترجع حكاية مدفع الإفطار في القاهرة إلى القرن التاسع عشر، حين كان الجنود يجربون أحد المدافع في قلعة صلاح الدين وقت غروب الشمس في أحد أيام رمضان. وعندما دوّى صوت المدفع في سماء القاهرة ظن الناس أن هذا تقليد جديد لإعلان موعد الإفطار، فخرجوا إلى الشوارع يهنئون بعضهم ببداية الصيام.
ويقال إن الفكرة أعجبت والي مصر في ذلك الوقت، فأمر بأن يُطلق المدفع يوميًا مع غروب الشمس خلال شهر رمضان ليكون علامة رسمية لبداية الإفطار.
ومنذ ذلك الحين أصبح صوت المدفع جزءًا من المشهد الرمضاني في مصر. فقبل انتشار الإذاعة والتلفزيون، كان كثير من الناس يعتمدون على صوت المدفع لمعرفة موعد الإفطار، خاصة في الأحياء البعيدة عن المساجد.
كان الأطفال ينتظرون لحظة إطلاق المدفع بشغف، بينما يجلس أفراد الأسرة حول المائدة في حالة من الترقب. وما إن يسمعوا دوي المدفع حتى تبدأ لحظة الإفطار وسط دعوات وعبارات التهنئة التي اعتاد عليها المصريون.
ومع تطور وسائل الإعلام وظهور الأذان عبر الإذاعة والتلفزيون، لم يعد المدفع الوسيلة الأساسية لمعرفة موعد الإفطار، لكنه ظل رمزًا من رموز رمضان التي لا تختفي من الذاكرة الشعبية.
حتى اليوم، ما زال مدفع الإفطار يطلق في بعض الأماكن كتقليد رمضاني يربط الحاضر بالماضي، ويذكّر المصريين بزمن كانت فيه لحظة الغروب تعلنها طلقة مدفع تهز سماء القاهرة.
وهكذا يبقى مدفع الإفطار أكثر من مجرد تقليد قديم؛ إنه حكاية من حكايات رمضان المصري، وصوت يحمل في ذاكرته فرحة آلاف الموائد التي كانت تنتظر تلك اللحظة كل مساء.







