في قلب محافظة المنيا، وعلى ضفاف التاريخ الممتد لرحلة العائلة المقدسة في مصر، يبرز دير “جبل الطير” كأحد أهم المزارات الدينية التي تجمع بين القداسة والبعد السياحي والاقتصادي في آن واحد. ومع اقتراب موسم الاحتفال السنوي، تتجه الأنظار إلى هذا الموقع الفريد الذي يتحول خلال أيام قليلة إلى ملتقى لملايين الزائرين، ومصدر حياة لآلاف الأسر التي تعتمد عليه في معيشتها.
وفي هذا السياق، كشف القس ثاوفيلس القمص متي، راعي كنيسة السيدة العذراء بجبل الطير، في حديثه لـ”البورصجية نيوز”، عن تفاصيل تاريخ الدير وأهميته الروحية وما يحمله من إرث ديني عميق.
وأوضح القس ثاوفيلس، أن دير جبل الطير يُعد من أبرز محطات رحلة العائلة المقدسة داخل مصر، حيث شُيدت الكنيسة فوق مغارة يُعتقد أن العائلة المقدسة استراحت بها لمدة ثلاثة أيام خلال رحلتها، مشيرًا إلى أن هذا الموقع يحمل قيمة روحية استثنائية جعلته مقصدًا للحجاج والزائرين من داخل مصر وخارجها.
وأضاف: أن الكنيسة الأثرية المقامة بالدير جاءت وفق الطراز البازيليكي، وتضم صحنًا رئيسيًا تحيط به عشرة أعمدة منحوتة في الصخر، إلى جانب مغارة تاريخية ما زالت تحتفظ بطابعها القديم حتى اليوم، بما يعكس عمق التاريخ الممتد للمكان.
وتابع راعي الكنيسة: أن اكتشاف المغارة يعود إلى عام 328 ميلادية، خلال رحلة الملكة هيلانة، والدة الإمبراطور قسطنطين، التي تتبعت مسار العائلة المقدسة في مصر، وأمرت ببناء الكنيسة فوق الموقع بعد التأكد من أهميته التاريخية والدينية.
وأشار القس ثاوفيلس إلى أن الدير يضم عددًا من الآثار النادرة، من بينها المعمودية المنحوتة داخل أحد أعمدة الكنيسة والتي تعود إلى القرن الرابع الميلادي، بالإضافة إلى “اللقان الأثري” المستخدم في الطقوس الكنسية، وبقايا الحجاب الحجري القديم المزخرف بالرموز القبطية.
وفيما يتعلق بتسمية المكان، أوضح أن اسم “جبل الطير” جاء نتيجة تجمع أعداد كبيرة من الطيور المهاجرة فوق صخور الجبل سنويًا، بينما ارتبط اسم “دير الكف” برواية تراثية تحكي عن صخرة كادت تسقط على العائلة المقدسة، فرفع السيد المسيح كفه لتتوقف الصخرة وينطبع أثر الكف عليها.
ولفت إلى أن الدير يمتد على مساحة تقارب ألفي متر مربع، ويقطنه أكثر من 20 ألف نسمة، يعتمد أغلبهم على الأنشطة المرتبطة بالسياحة الدينية والعمل في المحاجر، خاصة خلال موسم الاحتفال السنوي الذي يشهد توافد أكثر من مليوني زائر من مختلف المحافظات.
وأوضح أن أسبوع الاحتفال يحول المنطقة إلى حالة من الحراك الديني والشعبي، حيث تنتشر الأسواق ومحال الهدايا والمأكولات، إلى جانب تأجير المنازل والغرف للزائرين، فضلًا عن إقامة آلاف المعموديات للأطفال، في مشهد يعكس تداخل البعد الروحي بالحياة اليومية.
واختتم القس ثاوفيلس حديثه بالتأكيد على أن الدير شهد تطورًا كبيرًا في البنية والخدمات خلال السنوات الأخيرة، سواء من حيث أماكن الاستقبال أو القاعات أو الخدمات الطبية، مشيدًا بجهود الدولة في تطوير الطرق والمناطق المحيطة، ضمن خطة إحياء مسار رحلة العائلة المقدسة وتحويله إلى مزار عالمي يليق بمكانة مصر الدينية والتاريخية.


