في ظل التقلبات الحادة التي تشهدها أسواق الحبوب عالميًا وارتفاع تكلفة الاستيراد، تمضي مصر بخطوات متسارعة نحو تقليل اعتمادها على القمح المستورد وتعزيز الإنتاج المحلي، وهو ما انعكس بوضوح في تراجع واردات القمح خلال عام 2025 بنسبة لافتة.
ويأتي هذا التراجع كنتيجة مباشرة لحزمة من السياسات الحكومية التي تستهدف تحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي، عبر دعم المزارعين، وتفعيل منظومة الزراعة التعاقدية، وإقرار أسعار ضمان محفزة، إلى جانب التوسع في استصلاح الأراضي الزراعية.
ورغم استمرار الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، يؤكد خبراء الزراعة والاقتصاد أن المؤشرات الحالية تعكس مسارًا إيجابيًا، وأن مصر تمتلك فرصًا حقيقية لرفع نسبة الاكتفاء الذاتي من القمح خلال السنوات المقبلة، بما يعزز الأمن الغذائي ويخفف الضغوط على فاتورة الاستيراد.
وكشفت بيانات وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية عن تراجع ملحوظ في واردات القمح خلال الفترة من يناير حتى أكتوبر 2025، حيث بلغت قيمة الواردات نحو 2.967 مليار دولار، مقارنة بـ3.842 مليار دولار خلال الفترة نفسها من عام 2024، بانخفاض قدره 875 مليون دولار، وبنسبة تراجع تصل إلى 22.8%.
وقال الدكتور أشرف كمال، أستاذ الاقتصاد الزراعي، إن مصر تحقق حاليًا اكتفاءً ذاتيًا من القمح بنسبة تقارب 50%، وتسعى الدولة إلى رفع هذه النسبة من خلال التوسع في تطبيق الزراعة التعاقدية وتحديد أسعار ضمان محفزة. وأوضح أن إعلان سعر ضمان للقمح عند 2200 جنيه للإردب أسهم في تشجيع المزارعين على التوريد وزيادة المساحات المزروعة.
وأضاف كمال، في تصريحات خاصة لـ”البورصجية”: أن القمح كمحصول شتوي يواجه منافسة قوية مع محاصيل أخرى، أبرزها البرسيم، الذي تُقدر مساحته بنحو 1.5 مليون فدان، مؤكدًا سعى استراتيجية التنمية الزراعية إلى خفض هذه المساحة إلى نحو 1.1 مليون فدان لإتاحة مجال أكبر لزراعة القمح.
كما ينافس القمح محاصيل استراتيجية أخرى مثل بنجر السكر والفول والعدس، إلا أن السياسات الحالية يمكن أن ترفع نسبة الاكتفاء الذاتي إلى نحو 70% خلال الفترة المقبلة.
وقال حسين أبو صدام، نقيب الفلاحين: إن مصر ما تزال تستورد جزءًا من احتياجاتها من الحبوب، لكنها في الوقت نفسه تعمل على تقليص الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، مشيرًا إلى أن العجز في القمح يبلغ نحو 50% نتيجة تحديات تتعلق بمحدودية الرقعة الزراعية الخصبة وشح الموارد المائية.
وأضاف أبو صدام، في تصريحات خاصة لـ”البورصجية”، أن أي دولة في العالم لا تحقق اكتفاءً ذاتيًا كاملًا من جميع المحاصيل، موضحًا أن السياسة الزراعية تقوم على زراعة المحاصيل الأعلى ربحية والعائد الاقتصادي، واستيراد المحاصيل الأقل.
وقال متى بشاي، رئيس لجنة التجارة الداخلية بالشعبة العامة للمستوردين بالاتحاد العام للغرف التجارية، إن تراجع واردات القمح خلال عام 2025 يعكس بوضوح توجه الدولة نحو تقليل الاستيراد وزيادة الاعتماد على الإنتاج المحلي، وصولًا إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي من هذه السلعة الاستراتيجية.
وأوضح بشاي، في بيان صادر عن شعبة المستوردين، أن واردات القمح انخفضت بنسبة 25% خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، لتسجل 2.6 مليار دولار مقارنة بـ3.4 مليار دولار خلال الفترة نفسها من العام الماضي، بانخفاض قدره نحو 800 مليون دولار.
وأرجع هذا التراجع إلى السياسات الحكومية التي تستهدف تقليل تأثر السوق المحلية بتقلبات الأسعار العالمية، من خلال تعزيز المخزون الاستراتيجي وزيادة الإنتاج المحلي.
وأكد أن موسم توريد القمح المحلي شهد أداءً قويًا، حيث ارتفعت الكميات الموردة من المزارعين بنسبة 17% لتتجاوز 4 ملايين طن، وهو ما يعكس نجاح المنظومة التحفيزية وثقة المزارعين في سياسات التوريد.
وأشار إلى أن الدولة تستهدف الوصول إلى 5 ملايين طن من القمح المحلي خلال الموسم المقبل، تنفيذًا لتوجيهات القيادة السياسية بتعزيز الأمن الغذائي وتحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح التمويني المستخدم في إنتاج الخبز المدعم.





