في ظل التحديات الاقتصادية المتلاحقة التي تشهدها الساحة الاقتصادية، برزت ظاهرة تعثر عدد من رجال الأعمال كواحدة من أبرز القضايا المثيرة للجدل خلال الفترة الأخيرة.
وبين أرقام ضخمة وشائعات متداولة، وتدخلات رسمية من الجهات المصرفية، تتكشف صورة أكثر تعقيدًا ترتبط بعوامل اقتصادية وهيكلية تتجاوز الأفراد إلى منظومة الاقتصاد ككل.
أزمات المديونيات الكبرى تحت المجهر
شهدت الساحة الاقتصادية جدلًا واسعًا عقب تداول أنباء عن مديونية رجل الأعمال محمد الخشن، والتي قُدرت بنحو 40 مليار جنيه، قبل أن يحسم البنك المركزي المصري الجدل مؤكدًا التوصل إلى اتفاق لإعادة هيكلة الديون.
وأوضح البنك أن الاتفاق يضمن سداد كامل المديونيات مع العوائد، إلى جانب الحصول على ضمانات كافية لحماية أموال المودعين، مشددًا على أن القطاع المصرفي يتمتع بمؤشرات قوية وقادر على التعامل مع مثل هذه الملفات وفق معايير دولية دقيقة.
وفي السياق ذاته، نفى المستشار القانوني خالد أبو بكر وجود أي تعثر حقيقي، مؤكدًا أن العلاقة بين الخشن والبنوك «نموذجية»، وأن إعادة الجدولة تُعد ممارسة مصرفية طبيعية في المشروعات الكبرى.
حالة جديدة.. تعثر عماد زيادة
لم تتوقف الأزمة عند هذا الحد، إذ كشفت تقارير عن تعثر الفنان ورجل الأعمال عماد زيادة في سداد مديونية تُقدر بنحو 11 مليار جنيه، مرتبطة بشركته في مجال الزيوت.
وتواجه شركته صعوبات مالية أدت إلى تعثر سداد الالتزامات رغم محاولات جدولة سابقة، ما دفع البنوك لاتخاذ إجراءات تحفظية على بعض الأصول، مع استمرار المفاوضات مع مستثمر محتمل للاستحواذ على الشركة مقابل تسوية جزء كبير من الديون.
وتأتي هذه التطورات في وقت حساس، في ظل الأوضاع الاقتصادية العالمية، ما زاد من حدة الجدل حول سياسات الإقراض وإدارة المخاطر في القطاع المصرفي.
تحليل اقتصادي.. التعثر ظاهرة طبيعية
يرى الخبير الاقتصادي الدكتور وائل النحاس أن «حالات الإفلاس والتعثر المالي تمثل ظاهرة طبيعية مرافقة لأي توترات اقتصادية»، موضحًا أن الخطر الحقيقي يكمن في مدى كفاية المخصصات والاحتياطيات التي تحتفظ بها البنوك لمواجهة هذه المخاطر.
وأشار الخبير الاقتصادي في تصريحات خاصة لـ«البورصجية» إلى أن البنك المركزي يراقب هذه المسألة بدقة من خلال تحديد نسب المخاطرة، محذرًا من قيام بعض البنوك بتحويل المخصصات إلى أرباح بمجرد تحسن أوضاع العملاء، وهو ما قد يُفرغها من دورها الوقائي.
تأثيرات ممتدة على الاقتصاد
لا تتوقف تداعيات تعثر رجال الأعمال عند حدود الشركات، بل تمتد إلى قطاعات كاملة. فبحسب د. وائل، فإن خروج كيان اقتصادي كبير من السوق يؤدي إلى «هزات عنيفة» تصيب سلاسل التوريد، من الموردين إلى العمالة، وصولًا إلى العملاء الذين قد يجدون أنفسهم أمام التزامات غير مكتملة.
مخاطر التمويل الاستهلاكي
ولفت الخبير الاقتصادي إلى ظاهرة مقلقة في قطاع التمويل الاستهلاكي، حيث يلجأ بعض الأفراد إلى شراء سلع بالتقسيط ثم بيعها نقدًا بأسعار أقل للحصول على سيولة سريعة، وهو ما يؤدي إلى تراكم ديون قد تتجاوز 200% من قيمة السلعة الأصلية.
وأكد أن هذه الممارسات سيكون لها انعكاسات مباشرة على البنوك والشركات الممولة.
أسباب الأزمة: سياسات وتغيرات اقتصادية
أرجع الدكتور وائل جزءًا كبيرًا من الأزمة إلى «تراكمات سلبية» بدأت منذ تحرير سعر الصرف في 2016، وما تبعها من ارتفاع في أسعار الفائدة التي وصلت إلى نحو 30%، إلى جانب تأثيرات الاقتصاد العالمي والحروب.
وأوضح أن المسؤولية لا تقع على رجال الأعمال وحدهم، بل تشمل السياسات الاقتصادية العامة والتغيرات العالمية، داعيًا إلى مراجعة أداء بعض المصدرين الذين يحققون خسائر رغم امتلاكهم موارد دولارية.
دعوات للشفافية وإصلاح المنظومة
اختتم الدكتور وائل حديثه بالتأكيد على ضرورة تعزيز الشفافية داخل القطاع المصرفي، من خلال الإعلان عن نسب القروض المتعثرة، محذرًا من تكرار أخطاء الماضي، خاصة ما عُرف بقضية «نواب القروض» خلال عام 2000.
كما انتقد ارتفاع نسب الإقراض في بعض البنوك إلى نحو 90% من الودائع، معتبرًا أن ذلك قد يضعف قدرة البنوك على مواجهة الأزمات، مطالبًا بتدخل الدولة بمعاملة «الجراح» لضبط السوق.







