عالم

النفط أولًا.. كيف تحوّلت فنزويلا إلى بوابة ترامب لإعادة رسم خريطة النفوذ العالمي؟

وسط تطور مفاجئ، أعلن الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب”، الأسبوع الماضي، أن الولايات المتحدة نفذت عملية عسكرية واسعة النطاق داخل فنزويلا استهدفت القيادة السياسية للبلاد، وأسفرت عن اعتقال الرئيس “نيكولاس مادورو” وزوجته، ونقلهما جوًا إلى خارج الأراضي الفنزويلية، في خطوة فجّرت موجة واسعة من التفاعلات الإقليمية والدولية.

ففي المشهد الفنزويلي الحالي، لم تعد الأرقام مجرد بيانات اقتصادية ثابتة، بل أصبحت مفاتيح لفهم التوجه السياسي للولايات المتحدة، والذي تقوده إدارة “ترامب”، فكل رقم يُتداول حول الاحتياطي أو الإنتاج أو الاستثمار يعكس، في جوهره، رغبة واضحة في تحويل القوة والتفوق العسكري والسياسي إلى نفوذ طويل الأمد على فنزويلا التي تُعد واحدة من أكبر خزائن الطاقة في العالم.

فنزويلا تمتلك احتياطيًا نفطيًا مؤكدًا يُقدَّر بنحو 303 مليارات برميل، أي ما يقارب خُمس الاحتياطي العالمي، متقدمة على السعودية التي تُقدَّر احتياطياتها بنحو 267.2 مليار برميل، وإيران بنحو 208.6 مليارات برميل، وفق بيانات نقلتها شبكة “يورونيوز”، هذا الرقم وحده يفسر حدة الخطاب الذي تبناه “ترامب” عقب إطاحة “نيكولاس مادورو”، كما يفسر حديثه الصريح عن إرسال شركات نفط أمريكية كبرى لإعادة تشغيل القطاع، لا باعتباره جهد إنقاذ، بل استثمارًا استراتيجيًا يضمن تدفق العائدات تحت إشراف أمريكي مباشر.

هذا الطموح ظهر بوضوح في تصريحات “ترامب” حول ضخ مليارات الدولارات لإعادة تأهيل البنية التحتية النفطية، مقابل السيطرة على مسار الإنتاج والتصدير، فقد ذكرت شبكة “بي بي سي”، أن ترامب يرى صناعة النفط الأمريكية يمكن أن تصبح جاهزة للعمل بكامل طاقتها في فنزويلا خلال 18 شهرًا فقط، وهو توقيت يعكس استعجالًا لحصد المكاسب الاقتصادية، حتى لو تطلّب الأمر تجاوز التعقيدات السياسية والمؤسسية” بحسب “بي بي سي”.

فالأرقام المرتبطة بالإنتاج تكشف جانبًا آخر من هذه الرؤية، فقبل نحو 25 عامًا، كانت فنزويلا تنتج قرابة ثلاثة ملايين برميل يوميًا، بينما لا يتجاوز إنتاجها اليوم ما بين مليون و1.1 مليون برميل يوميًا، بحسب ما أوردته شبكة “سي بي إس نيوز”، هذا التراجع الحاد، الناتج عن العقوبات والانهيار الإداري، يُقدَّم اليوم في الخطاب الأمريكي كفرصة استثمارية، لا كأزمة سيادية أو إنسانية.

فقد نقلت وكالة “أسوشيتد برس” تقديرات تشير إلى إمكانية مضاعفة الإنتاج أو زيادته بشكل كبير خلال فترة قصيرة نسبيًا، في حال تدفقت الاستثمارات ورفعت القيود، ما يعني عمليًا فتح تدفقات نفطية ضخمة إلى السوق العالمية تحت مظلة النفوذ الأمريكي.

ولا يمكن فصل هذه الطموحات عن الموازين السياسية والاستراتيجية على المستوى الإقليمي والدولي، فمحللون، من بينهم “فيل فلين”، أوضحوا لشبكة “يورونيوز” أن زيادة الإنتاج الفنزويلي قد تُبقي أسعار النفط منخفضة على المدى الطويل، وهو ما يضع منافسين مثل روسيا تحت ضغط إضافي، عند هذه النقطة، تتحول الأرقام إلى أدوات في صراع النفوذ، وتصبح فنزويلا ورقة تستخدمها واشنطن لإعادة تشكيل توازنات الطاقة العالمية.

رد فعل الأسواق المالية عزز هذا الفهم، فمع إعلان “ترامب” عن خططه، ارتفعت أسهم شركات التكرير الأمريكية الكبرى، مثل فاليرو، وماراثون بتروليوم، وفيليبس 66، بنسب تراوحت بين 5% و6%، كما قفزت أسهم شركات خدمات حقول النفط، مثل هاليبرتون، وإس إل بي، بنسبة وصلت إلى 7% و8%، في حين سجلت شركات التنقيب الكبرى مكاسب تراوحت بين 2% و4%، وفق ما أوردته “أسوشيتد برس”.

هذه الارتفاعات لم تكن تعبيرًا عن ثقة في استقرار فنزويلا، بقدر ما كانت رهانًا على توسع نفوذ الشركات الأمريكية في قطاع ظل مغلقًا أو محاصرًا لسنوات.

وتتعمق الصورة عند النظر إلى طبيعة النفط الفنزويلي نفسه، فكاراكاس تنتج خامًا ثقيلًا يُعد ضروريًا لصناعة الديزل، في وقت يعاني فيه العالم نقصًا في الإمدادات بسبب العقوبات المفروضة على روسيا، وهو ما أشارت إليه وكالة “أسوشيتد برس”.

فهذا النوع من النفط لا يمكن تعويضه بسهولة من الخام الأمريكي الأخف، ما يمنح واشنطن ورقة ضغط إضافية في الأسواق العالمية، ويجعل السيطرة على الحقول الفنزويلية ذات قيمة استراتيجية تتجاوز الأرقام المجردة.

وتكشف الأرقام بُعدًا آخر للصراع، يتمثل في الحضور الصيني، فـ”فنزويلا” تُعد رابع أكبر متلقٍ للقروض الصينية، إذ حصلت على تعهدات تمويلية بنحو 106 مليارات دولار بين عامي 2000 و2023، وفق بيانات معهد “إيد داتا” التابع لجامعة ويليام وماري.

ومع أن النفط الفنزويلي لا يمثل سوى نحو 4% من واردات الصين، فإن الديون المستحقة، التي بلغت نحو 10 مليارات دولار في عام 2024، تجعل من النفط أداة ضغط مالية وسياسية، كما أشارت صحيفة “الجارديان”.

في المحصلة، يتضح أن أرقام الاحتياطي والإنتاج والأسعار وحركة الأسهم ليست تفاصيل تقنية معزولة، بل مفاتيح لفهم سياسة الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب”، تجاه فنزويلا، حيث أظهرت سياسته إنها تقوم على تحويل القوة العسكرية إلى نفوذ اقتصادي، والتعامل مع النفط بوصفه جائزة سياسية تُنتزع ثم تُدار بلغة الاستثمار، وتكشف القراءة المتأنية للأرقام أن طموحات “ترامب” ليست هامشية في هذا المشهد، بل تمثل الأساس الذي يرتكز عليه في كل تحركاته أو قراراته تجاه دول بعينها.

اقرأ أيضا: ترامب: فنزويلا تحت حماية واشنطن.. وكوبا تصف أمريكا بالقوة الإجرامية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *