في ظل تصاعد التوترات الإقليمية المرتبطة بإيران، تتزايد المخاوف بشأن انعكاس هذه التطورات على قطاع الطاقة في مصر، خاصة في ظل الاعتماد الكبير على الغاز الطبيعي لتشغيل محطات الكهرباء، ما يجعل منظومة الإنتاج عرضة لتقلبات الأسواق العالمية واضطرابات الإمدادات.
ومع تعقّد المشهد الإقليمي، يطرح هذا الواقع تساؤلات ملحّة حول تكلفة إنتاج الكهرباء، واحتمالات انتقال هذه الضغوط إلى المستهلكين عبر زيادة الأسعار خلال الفترة المقبلة.
وأكد الدكتور حافظ سلماوي، رئيس جهاز تنظيم مرفق الكهرباء الأسبق، أن التوترات الحالية قد تؤثر بشكل واضح على تكلفة إنتاج الكهرباء، موضحًا أن حجم التأثير يظل مرهونًا بمدى استمرار الأزمة وتطوراتها.
وأشار إلى أن التأثير قد يكون محدودًا حال احتواء التصعيد سريعًا، لكنه قد يمتد لفترات طويلة في حال استمرار الصراع أو استهداف منشآت الطاقة، نظرًا لما تتطلبه عمليات إعادة التأهيل من وقت وتكاليف مرتفعة.
وأوضح سلماوي، أن التأثير على مصر يأتي من محورين رئيسيين، أولهما: احتمالات تراجع إمدادات الغاز المستورد، خاصة من إسرائيل، وثانيهما: الارتفاع الكبير في أسعار الغاز المسال عالميًا، الذي يُستخدم كبديل لتعويض أي نقص.
وأضاف، أن أسعار الغاز شهدت قفزات ملحوظة، حيث ارتفع متوسط التكلفة من نحو 6.5 دولار لكل مليون وحدة حرارية قبل الأزمة إلى مستويات أعلى بكثير، ما أدى إلى زيادة تكلفة إنتاج الكهرباء بشكل مباشر.
وأوضح ” سلماوي” أن رفع أسعار الكهرباء أصبح “شبه حتمي”، في ظل تضاعف أعباء الدعم الذي تتحمله الدولة، والذي قد يرتفع من نحو 300 مليار جنيه إلى 600 مليار جنيه، وهو ما يصعب استمراره على المدى الطويل.
وأشار إلى أن تثبيت الأسعار خلال السنوات الماضية ساهم في زيادة معدلات الاستهلاك، ما يزيد من الضغوط على منظومة الدعم والطاقة.
وحذر من أن تفاقم الأزمة قد يدفع أسعار الغاز عالميًا إلى مستويات مرتفعة تصل إلى 30 دولارًا، كما حدث خلال الأزمة الأوكرانية، وهو ما قد يكلف مصر مليارات الدولارات سنويًا، بالتزامن مع ضغوط على موارد النقد الأجنبي.
وأكد أن الحلول المحلية تظل محدودة، وتتركز في ترشيد الاستهلاك وإعادة هيكلة الأسعار لتحقيق التوازن المالي.
ويرى الدكتور عمرو شوقي، خبير الطاقة والكهرباء، أن تأثير التوترات الإقليمية يرتبط بشكل مباشر بتوافر الوقود، مشددًا على أن القضية لا تتعلق فقط بالأوضاع السياسية، بل بقدرة الدولة على تأمين احتياجاتها من الغاز الطبيعي.
وأوضح، أن الاعتماد على الاستيراد يفرض تحديات إضافية، تتعلق باستقرار الدول الموردة وسلامة مسارات الإمداد، خاصة إذا مرت بمناطق نزاع أو ممرات بحرية حيوية.
وأضاف شوقي: أن أي خلل في إمدادات الغاز ينعكس فورًا على إنتاج الكهرباء، مشبهًا ذلك بتوقف سيارة نتيجة نفاد الوقود، ما يبرز حساسية القطاع لأي اضطرابات خارجية، مشيرًا إلى أن مصر تمتلك خبرة في إدارة أزمات الطاقة، لكن التحدي الحالي يكمن في تأمين الوقود في ظل بيئة إقليمية غير مستقرة.
وأكد أن ترشيد استهلاك الكهرباء يمثل الحل الأكثر إلحاحًا في الوقت الراهن، مع ضرورة إعادة توزيع الطاقة بشكل يضمن تلبية احتياجات القطاعات الحيوية مثل المستشفيات والمطارات.
وأشار إلى أهمية الاستعداد المبكر لفصل الصيف، الذي يشهد ذروة الاستهلاك، مشيرًا إلى أن فصل الشتاء يمثل فرصة لتخفيف الضغط على الشبكة.
وفيما يتعلق بالتسعير، أوضح شوقي أن أسعار الكهرباء تتأثر بعوامل خارجية مثل أسعار النفط وسعر صرف الدولار، وهي عوامل خارجة عن السيطرة المحلية، ما يجعل احتمالات زيادة الأسعار قائمة، رغم عدم صدور قرارات رسمية حتى الآن.
كما أكد على أهمية وعي المواطنين بدورهم في ترشيد الاستهلاك، مشيرًا إلى أن الإجراءات البسيطة مثل إطفاء الإضاءة غير الضرورية وفصل الأجهزة غير المستخدمة يمكن أن تُحدث فارقًا كبيرًا إذا تم الالتزام بها.
ودعا إلى تعديل أنماط الاستهلاك، من خلال تقليل الاستخدام في أوقات الذروة والاعتماد على ساعات النهار، مؤكدًا أن مواجهة الأزمة تتطلب تعاونًا جماعيًا للحفاظ على استقرار منظومة الطاقة.







