رمضان في مصر ليس شهر الصيام فقط، بل شهر الأصوات التي صنعت ذاكرة الليل في المدن والقرى. وبين هذه الأصوات يظل صوت المسحراتي واحدًا من أكثر الأصوات ارتباطًا بليالي رمضان، حتى أصبح جزءًا من ملامح الشهر الكريم في الذاكرة الشعبية.
وفي سلسلة «حواديت رمضانية من البورصجية» نستعيد بعض العادات التي كانت تمنح رمضان طابعًا خاصًا في الحارات المصرية، حيث كانت الحياة تسير بإيقاع مختلف يملؤه الدفء والتواصل بين الناس.
وقبل أذان الفجر بوقت كافٍ، كان المسحراتي يبدأ جولته في الشوارع الضيقة، حاملاً طبلة صغيرة يطرق عليها بإيقاع مميز، وهو يردد عبارته الشهيرة: “اصحى يا نايم وحد الدايم… رمضان كريم”.
كان هذا الصوت كافيًا ليوقظ البيوت من نومها، فتضاء الأنوار في النوافذ وتبدأ العائلات في تجهيز السحور.
وكان المسحراتي غالبًا من أبناء الحي نفسه، يعرف الناس واحدًا واحدًا، ولذلك كان ينادي بعضهم بأسمائهم، فيقول مثلًا:
“اصحى يا حاج محمد… رمضان كريم”،
فيبتسم أهل البيت ويستيقظون للسحور.
أما الأطفال فكان لهم نصيب خاص من هذه اللحظات، إذ كانوا ينتظرون مرور المسحراتي كل ليلة، يخرجون إلى الشارع بالفوانيس الصغيرة ويشاركونه الطرق على الطبل، وكأن الحارة كلها أصبحت جزءًا من هذه الطقوس الجميلة.
وفي نهاية شهر رمضان، كان المسحراتي يمر على البيوت مرة أخرى ليحصل على “العيدية” التي يقدمها له أهل الحي تقديرًا لجهده طوال الشهر.
ومع تغير الحياة في المدن الكبيرة وظهور المنبهات والهواتف المحمولة، اختفت هذه العادة من كثير من الأماكن، لكنها ما زالت حاضرة في بعض الأحياء الشعبية التي تحافظ على هذا التراث الجميل.
ويبقى صوت المسحراتي واحدًا من الأصوات التي لا تغيب عن ذاكرة رمضان في مصر، صوت يذكر الناس بزمن كانت فيه الحارة أسرة واحدة، وكانت أبسط العادات قادرة على صنع أجمل الذكريات.


