
قفزة قياسية غير مسبوقة تشهدها أسواق المعادن، بعدما فرضت الفضة نفسها لاعبًا رئيسيًا في سباق الأسعار، متقدمةً على الذهب للمرة الأولى منذ سنوات، ومحققة مستويات تاريخية تجاوزت معها كل التوقعات.
ففي الوقت الذي واصل فيه الذهب تسجيل مستويات قياسية جديدة، خطفت الفضة الأنظار مجددًا بعدما لامست أعلى مستوى في تاريخها خلال جلسة اليوم، وسط زخم استثنائي مدفوع بترقب خفض أسعار الفائدة وتعاظم الطلب الصناعي المتصل بصناعة الرقائق والذكاء الاصطناعي.
صعود تاريخي
في التداولات الفورية، قفزت أسعار الفضة بنسبة 4.4% إلى 83.50 دولارًا للأونصة، بعدما سجّلت أعلى مستوى لها على الإطلاق عند 83.96 دولارًا في وقت سابق من اليوم. هذا الارتفاع القوي يأتي استكمالًا لمسار صعودي استثنائي هيمن على السوق خلال الأسابيع الماضية، حيث عكست الفضة شهية مرتفعة لدى المستثمرين للبحث عن أصول يمكن أن تستفيد من دورة الفائدة الجديدة، وفي الوقت نفسه، تلبي احتياجات القطاعات الصناعية شديدة الحساسية لسلاسل الإمداد.
وتأتي القفزة الحالية في وقت تجاوز فيه الذهب حاجزًا تاريخيًا جديدًا، بعدما ارتفعت أسعاره الفورية 1.5% إلى 4478.79 دولارًا للأونصة، عقب تسجيل مستوى قياسي عند 4600.33 دولار في وقت سابق من الجلسة، بينما ارتفعت العقود الأمريكية الآجلة للذهب تسليم فبراير 2% إلى 4591.10 دولارًا. ورغم هذه القفزة الكبيرة في المعدن الأصفر، احتفظت الفضة بموقعها كأسرع المعادن نموًا منذ بداية العام، بعدما تضاعفت تقريبًا بدعم من طفرة الذكاء الاصطناعي.
أسواق مضطربة
لم تقتصر موجة الارتفاع على الفضة والذهب، إذ صعد البلاتين 2.9% إلى 2338.54 دولارًا للأونصة، مواصلًا التحرك قرب مستوياته القياسية التي بلغها عند 2478.50 دولارًا في 29 ديسمبر الماضي، فيما ارتفع البلاديوم 4.2% إلى 1892.18 دولارًا للأونصة مدعومًا بحركة شراء قوية في الأسواق الفورية. ولأول مرة منذ أشهر، تتحرك المعادن الأربعة الرئيسية في الاتجاه نفسه، في انعكاس مباشر لتوقعات تخفيف السياسة النقدية وتراجع الدولار.
لكن الفضة ظلّت الأكثر لفتًا للأنظار، سواء بسبب قوة الارتدادات أو سرعة تكوّن مستويات دعم جديدة، إذ استمرت السوق في الامتصاص السريع لأي عمليات جني أرباح، لتعود الأسعار إلى الصعود بوتيرة متلاحقة، وهو ما فسره المتعاملون بأن السوق “شرهة للسيولة” ولم تعد قادرة على الصمود عند مستويات أقل.
تغيّر قواعد المنافسة
أظهرت تقارير منصات التداول أن الفضة تجاوزت المكاسب السنوية للذهب بهامش واسع، بعدما ارتفعت أسعارها بأكثر من الضعف منذ بداية العام، مقارنة بنمو أقل بكثير للمعدن الأصفر. وبرغم تسجيل الذهب مستويات قياسية غير مسبوقة، فإن الفضة استطاعت مضاعفة مكاسبها مدفوعة بالطلب الصناعي المتزايد، وبموجة شراء مكثفة من المستثمرين الراغبين في اقتناص سلعة “أرخص من الذهب” لكنها تملك قدرة أعلى على الصعود.
وترى منصات متخصصة أن أسعار الفضة حظيت بأكبر نسبة تداول بين المعادن خلال الأسبوع الأخير، بعدما جذبت اهتمام المؤسسات الاستثمارية والصناديق النشطة والمستثمرين الأفراد، في وقت تراجعت فيه المخزونات المتاحة عالميًا، ما زاد حساسية السوق أمام أي نقص في الإمدادات أو ارتفاع مفاجئ في الطلب الصناعي.
قبل القفزة الأخيرة، كانت السوق قد شهدت عدة اختبارات لمستويات دعم محورية، أبرزها مستوى 83 دولارًا الذي تفاعلت معه الأسعار بقوة لافتة، حيث استطاعت الفضة الارتداد سريعًا إلى منطقة الارتفاع متجاوزة دولارين اثنين خلال دقائق في بعض الجلسات. هذا السلوك عزّز لدى المتداولين قناعة بأن الاتجاه الصاعد مستقر وقادر على الاستمرار.
أسباب الصعود
جاء الصعود الحاد للفضة نتيجة مزيج متداخل من العوامل التي تزامنت فيما بينها لتعزيز الطلب، في مقدمتها الانتعاش الكبير للقطاعات التقنية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، إذ تعتمد رقائق الجيل الجديد ووحدات معالجة الرسومات والوحدات المسرّعة على الفضة في الوصلات الداخلية وعمليات التغليف. هذا الارتفاع في استهلاك الفضة داخل الصناعات ذات النمو الأسرع عالميًا جعل المعدن الأبيض جزءًا أساسيًا من سلسلة القيمة التكنولوجية الجديدة، بما يضعه في موقع أقرب إلى سلعة استراتيجية في البنية التحتية الذكية.
وفي سياق موازٍ، دخلت السوق موجة مضاربة نشطة، بعدما أصبحت الفضة ملاذًا جذابًا للمستثمرين الساعين لتحقيق عوائد أعلى مقارنة بالذهب الذي يُنظر إليه على أنه بلغ مرحلة التشبع السعري. كما أدى تراجع الدولار وضعف عوائد السندات إلى تعزيز جاذبية المعادن الثمينة بوجه عام، وخاصة الفضة التي لا تزال -وفق تقييمات المؤسسات- أقل تكلفة نسبيًا مقارنة بإمكانات صعودها المستقبلية.
كذلك أسهم انكماش المخزونات العالمية في زيادة حساسية السوق لأي ارتفاع في الطلب، إذ أصبحت الكميات المتاحة أقل من مستويات السنوات السابقة، في وقت تتوسع فيه القطاعات الصناعية في استخدام الفضة. هذه الوضعية دفعت المتداولين إلى اقتناص أي كميات مطروحة، حتى وُصفت السوق بأنها “تلتهم أي فتات” يمكن الحصول عليه.
تفاؤل حذر
توقّع «معهد الفضة» استمرار نمو الطلب خلال السنوات المقبلة، مدفوعًا بقطاعات التكنولوجيا المتقدمة والطاقة النظيفة والسيارات الكهربائية. وفي مذكرة حديثة، أشار «آي جي بنك» إلى أن نسبة الذهب إلى الفضة تراجعت إلى أدنى مستوى لها في أربع سنوات، وهو ما يعتبر مؤشرًا على تغيرات هيكلية في الطلب، وعلى قوة الزخم الذي يكتسبه المعدن الأبيض.
من جهتها، أكدت «أكسفورد إيكونوميكس» أن التحول نحو الأتمتة والروبوتات والمركبات ذاتية القيادة سيزيد الاعتماد على المكونات الدقيقة الغنية بالفضة، مشيرة إلى أن البنية التحتية للذكاء الاصطناعي—وخاصة مراكز البيانات الضخمة—ترفع الطلب على أشباه الموصلات المستخدمة في وحدات المعالجة المتقدمة.
ورغم الاتجاه الصاعد الواضح، حذّر «غولدمان ساكس» من أن الفضة، بطبيعتها الصناعية المكثفة، تظل أكثر عرضة للتقلب مقارنة بالذهب، مشيرًا إلى غياب دعم مشتريات البنوك المركزية الذي يستفيد منه المعدن الأصفر. ولفت البنك إلى احتمال تسجيل السوق تصحيحات حادة إذا تغيّرت التوقعات المتعلقة بسعر الفائدة أو تحوّلت التدفقات المضاربية إلى ملاذات أخرى.





