برز قطاع الصناعات التحويلية غير البترولية كرافعة أساسية للنمو الاقتصادي، في خضم محاولات الاقتصاد المصري للانتعاش بعد سنوات من التحديات المحلية والإقليمية، مسجّلًا أداءً قويًا عبر العام المالي 2024/2025، ورافعًا مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ الانكماش المسجل في الأعوام الماضية.
وبينما يحقق قطاع الصناعات التحويلية في مصر معدلات نمو قوية، ويثبت دوره كمحرك مركزي للتعافي الاقتصادي، فإن الدعم الهيكلي من الحكومة والسياسات الجاذبة للاستثمار – إلى جانب رؤية واضحة لتصدير الصناعات الثقيلة إلى الأسواق الأفريقية والعالمية – قد يشكّلان نقطة تحول جوهرية في وضع مصر على خريطة التصنيع العالمي.
وفي تقرير رسمي لوزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي، سجل القطاع الصناعي غير البترولي نموًا وصل إلى 16.3٪ في الربع الثالث من السنة المالية 2024/2025، مقارنة بالانكماش الذي بلغ -3.9٪ في نفس الربع من العام السابق، ليكون هذا التعافي أحد أهم المحركات الرئيسة للنمو الاقتصادي المصري خلال تلك الفترة.
وساهم هذا النمو في القطاع الصناعي غير النفطي ساهم بما يقرب من 1.83 نقطة مئوية في الناتج المحلي الإجمالي خلال الربع الأول من العام المالي 2025/2026، في مؤشر واضح على استدامة التعافي ودور الصناعة في دفع النمو الاقتصادي العام.
وفي مؤتمر المؤتمر السنوي الثالث للصناعة (IMCE) برعاية رئاسة الجمهورية، أكد رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي أن مصر تستهدف رفع مساهمة قطاع الصناعة في الناتج المحلي الإجمالي من 14% إلى ما بين 20% و30%، مع الاعتماد على التوسع في الصناعات التحويلية وتوطين سلاسل القيمة المحلية.
وسلطت وزارة الصناعة الضوء على أن حجم المناطق الصناعية ارتفع إلى 147 منطقة بنهاية 2024، بزيادة 21.5% مقارنة بعام 2014، إضافة إلى إطلاق 23 صناعة واعدة تشمل مجالات مثل الزجاج، البطاريات، واستخدام الطاقة الشمسية داخل التصنيع، وذلك في إطار الاستراتيجية الصناعية الوطنية 2024-2030.
وأظهر تقرير رسمي آخر أن الصادرات الصناعية (منتجات نصف مصنعة وتامة الصنع) ارتفعت بنسبة 73.8% خلال عام 2023/2024 لتصل إلى 32.5 مليار دولار مقارنة بعام 2013/2014، في مؤشر يعكس قوة السلع المصرية في الأسواق الخارجية.
ووفق بيانات وزارة الصناعة، يهدف برنامج التنمية الصناعية في خطة 2025/2026 إلى تحقيق معدل نمو في قيمة الإنتاج الصناعي بنسبة تقارب 19%، وصولًا إلى نحو 6.8 تريليون جنيه من قيمة الإنتاج بحلول هذا العام، مع ضخ استثمارات صناعية بقيمة 252.8 مليار جنيه، ومساعي لتعميق التصنيع المحلي خصوصًا في الصناعات ذات القدرة التصديرية.
كما أكد عدد من ممثلي الصناعة ورجال الأعمال المصريين أن زيادة الإنتاج الصناعي ليست مجرد رقم في الإحصاءات الحكومية، بل تتطلب شراكة فعالة بين القطاعين العام والخاص. وفي تصريحات خاصة للبورصجية، قال مصنعون إن أهم المطالب هو استمرار الدعم الحكومي للمصنعين من خلال حوافز وتمويلات ميسّرة، ما سيسهم في تعزيز الإنتاج المحلي والتوسع في الأسواق الإقليمية والدولية.
ووفقًا لخطة التنمية الاقتصادية للعام المالي 2025/2026، سيقود القطاع الخاص نحو 83% من إجمالي الاستثمارات في الصناعة التحويلية، مما يؤكد دوره الحيوي في دفع النمو الصناعي.
كما أظهرت بيانات مؤشر مديري المشتريات الصادر عن ستاندرد آند بورز جلوبال أن النشاط الصناعي في القطاع الخاص غير النفطي سجل أقوى أداء له خلال خمسة أعوام في نوفمبر 2025، مما يشير إلى تحسن ظروف الأعمال وارتفاع الإنتاج والطلبيات الجديدة.
وقال محمد عبد الفتاح، رجل أعمال في قطاع الكيماويات: “نحن على أعتاب مرحلة جديدة من الفرص التصديرية، خصوصًا في المواد الكيماوية الأساسية والمواد الوسيطة للصناعات الطبية والغذائية، لكننا بحاجة إلى نظام دعم لوجستي وتشريعي يجعل المنتج المصري أكثر جاذبية في وجه المنافسة العالمية”.
رغم هذه الإشارات الإيجابية، حذر بعض الخبراء من أن مجموعة من التحديات الهيكلية – مثل ضرورة تطوير تكنولوجيا الإنتاج وتعميق التكامل الصناعي – لا تزال عائقًا أمام تحقيق النمو الكامل، خصوصًا في ظل المنافسة على مستوى الأسواق الدولية. لكن تظل الخطة الوطنية للصناعة تحتل أولوية استراتيجية ضمن رؤية مصر 2030، التي تسعى إلى مضاعفة قدرة التصنيع وزيادة القوى العاملة بنحو 20% من إجمالي العمالة بحلول 2030.
