صدرت قراءة شرعية معمقة حول مكانة أبوي النبي ﷺ، أكدت أن محبة النبي ﷺ من أفضل القُرُبات؛ ويكفينا لمعرفة تلك المكانة حديثُ النبيِّ ﷺ الذي يقول فيه: «والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجمعين» (أخرجه أحمد، والبخاري).
وفي هذا السياق يقول الدكتور عبد الله خيري، من علماء الأزهر الشريف، ردًا على من يتطاول على والدي النبي، موضحًا أن أذية النبي ﷺ وموقف الشرع منها بأنه لا شكَّ أن الحبَّ يتنافى مع رغبة الإيذاء لمن يحب، ولا شكَّ كذلك أن الحديثَ بسوءٍ عن أبَوَيْه ﷺ يؤذي النبيَّ ﷺ؛ وقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: 61]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [الأحزاب: 57].
وأوضح الدكتور عبد الله خيري في تصريحات خاصة لـ”البورصجية” أنه لقد نهانا الله صراحةً عن أذية رسول الله ﷺ، ومشابهة اليهود ـ لعنهم الله ـ في ذلك؛ فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: 69]، قائلًا: نحن لا نقول إلا ما يرضي ربَّنا، ويرضي رسولَنا ﷺ، ولا نتجرأ على مقامه الشريف، ولا نؤذيه ﷺ بالكلام بما لا يرضيه.
آباء النبي ﷺ وأحكام “أهل الفترة”
وأوضح الدكتور خيري: “اعلم أن آباءَ النبيِّ ﷺ وأجدادَه، إن ثبت وقوعُ بعضهم فيما يظهر أنه شركٌ، فإنهم غيرُ مشركين؛ وذلك لأنهم لم يُرسل إليهم رسول، فأهلُ السنة والجماعة قاطبةً يعتقدون أن مَن وقع في شركٍ وبدَّل شرائعَ التوحيد في الفترة ما بين نبيٍّ ونبيٍّ لا يُعذَّب، والأدلة على ذلك كثيرة؛ منها قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نبعثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15]، وقوله سبحانه: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾ [الأنعام: 131]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ﴾ [الشعراء: 208]، وقوله عز وجل: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بعدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: 165]”.
وأضاف أنه لا تقوم الحجة على الخلق إلا بإرسال الرسل، وبغير إرسال الرسل فالبشر غيرُ محجوجين برحمة الله وفضله.
وأكد أن هذه الآيات تدل على ما يعتقده أهلُ الحق، أهلُ السنة والجماعة: أن الله برحمته وفضله لا يعذب أحدًا حتى يُرسل إليه نذيرًا.
تفنيد دعوى بلوغ الحجة
وقد يقول قائل: لعل أبَوَيِ النبيِّ ﷺ أُرسل إليهما نذيرٌ، وهما أشركا بعد بلوغ الحجة؛ فهذا لا يسعفه نقلٌ، بل جاءت النصوص تنفيه وتؤكد عكس ذلك؛ قال تعالى: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ [سبأ: 44]، وقال سبحانه: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: 46]، وقال عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: 59].
فدلت النصوص السابقة على أن أبَوَيِ النبيِّ ﷺ غيرُ مُعَذَّبَيْن؛ لا لأنهما أبَواه ﷺ، بل لأنهما من جملة أهل الفترة التي علمنا من هم، وحكمهم بما استقر عند المسلمين.
وقال الشاطبي: جرت سنته سبحانه في خلقه: أنه لا يؤاخذ بالمخالفة إلا بعد إرسال الرسل؛ فإذا قامت الحجة عليهم، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، ولكل جزاءٌ مثله (الموافقات).
وقال القاسمي في تفسيره: «وما صحَّ، وما استقام منا، بل استحال في سنَّتنا المبنية على الحِكَم البالغة، أن نعذِّب قومًا حتى نبعث إليهم رسولًا يهديهم إلى الحق، ويردعهم عن الضلال؛ لإقامة الحجة، وقطعًا للعذر».
وقال ابن تيمية: «إن الكتاب والسنة قد دلَّا على أن الله لا يعذب أحدًا إلا بعد إبلاغ الرسالة؛ فمن لم تبلغه جملةً لم يعذِّبه رأسًا، ومن بلغته جملةً دون بعض التفصيل لم يعذِّبه إلا على إنكار ما قامت عليه الحجة الرسالية» (مجموع الفتاوى).
أدلة خاصة بنجاة الأبوين الشريفين
أما ما يدل على نجاة أبَوَيْه بخصوصهما، دون الدليل العام الخاص بأهل الفترة، فهو قول الله تعالى: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: 219]؛ فعن ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ قال: أي في أصلاب الآباء: آدم ونوح وإبراهيم حتى أخرجه نبيًّا (تفسير القرطبي، وتفسير الطبري).
وعن هذا فعن واثلة بن الأسقع أن النبي صلي الله عليه وسلم قال : « إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشًا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم».
وعن عمه العباس رضي الله عنه أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: « إن الله خلق الخـلق فجعلني من خيرهم، من خير قرنهم، ثمّ تخيَّر القبائل فجعـلني من خير قبيلةٍ، ثم تخير البيوت فجعلني من خير بيوتهم، فأنا خيرهم نفسًا وخيرهم بيتًا).
فوصف رسـول الله صلي الله عليه وسلم أصوله بالطاهرة والطيبة وهما صفتان منافيتان للكفر والشرك، قال تعالى يصف المشركين : ﴿ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ].
الرد على الشبهات والأحاديث المعارضة
أما ما يثيره المخالفون بسبب ورود حديثى آحاد يعارضان ما ذكر من الآيات القاطعة، وهما حديثا مسلم؛ الأول: أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال : «استأذنت ربي أن استغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي»، والثاني : «أن رجلا قال : يا رسول الله، أين أبي ؟ قال: في النار، فلما قضى دعاه. فقال: إن أبي وأباك في النار».
فالرد عليهم أولا : أن الحديث الأول ليس فيه تصريح بأن أمه صلى الله عليه وسلم في النار، وإنما عدم الإذن في الاستغفار لا يدل على أنها مشركة، وإلا ما جاز أن يأذن له ربه عز وجل أن يزور قبرها، فلا يجوز زيارة قبور المشركين وبرهم.
الحديث الثاني : يمكن حمله على أنه كان يقصد عمه؛ فإن أبا طالب مات بعد بعثته، ولم يُعلن إسلامه، والعرب يطلقون الأب على العم.
أما إذا رفض المخالف ذلك التأويل وأراد الاستمساك بظاهر النص في الحديث الثاني، حيث لم يسعفه ظاهر النص في الحديث الأول، فنقول : نزولا على كلامكم وإذا اعتبرنا أن الحديثين دلا على أن أبوي النبي صلى الله عليه وسلم غير ناجيين، فإن ذلك يجعلنا أن نرد الحديثين لتعارضهما مع الآيات القاطعة الصريحة التي تثبت عكس ذلك مما مر، وهذا هو مذهب الأئمة والعلماء عبر القرون، وقد نص على هذه القاعدة الحافظ الخطيب البغدادي حيث قال: «وإذا روى الثقة المأمون خبرًا متصل الإسناد رد بأمور: أن يخالف نص الكتاب أو السنة المتواترة فيعلم أنه لا أصل له أو منسوخ».
استنكار التطاول وتحذير من الفتنة
واختتم الدكتور عبد الله خيري تصريحاته بالاستنكار قائلًا: “ولا أدري أي دين هذا الذي يجعل بعض الناس يصرح بأنه يبغض أبوي النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله يبغضهما، والنبي يبغضهما، ويقسم على ذلك بأغلظ الأيمان، والله يشهد إنه لكاذب! وهل يبغض الله مَن أخرج مِن صلبهما خير المرسلين، وإمام النبيين، ورحمة الله للعالمين؟! وكيف يبغضهما، ثم يجعلهما وعاء له، وسببا في ظهوره إلى عالم الوجود والشهود؟! وهل يبغض الرجل أباه وأمه، ولو كانا على خلاف دينه؟! فأين الفطرة؟! وهل يتزوج المسلم كتابية، ويبغضها وهي زوجته؟! فأين الفطرة؟! ثم كيف يقسم المسلم على غيب مجهول، لا يعلمه إلا الله؟! ثم لماذا لم يراع الخلاف في المسألة، أو يقتصر على ما ورد فيها من النصوص، ولم ترد النصوص ببغضهما؟!”.
بل صرح بعض المالكية وغيرهم بأن من يثير هذه المسألة، من غير داع، يستحق التعزير عند القاضي! إن مثل هذه التصريحات الحمقاء؛ تُفرح أعداء الدين! أسأل الله أن يرزقنا العلم والفهم والأدب مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
