لطالما اعتبرت مشروعات التخرج في الجامعات مجرد “محطة أخيرة” للحصول على الشهادة الجامعية، تنتهي بانتهاء العام الدراسي وتودع في أدراج مكاتب الكليات، إلا أن الرؤى الحديثة لخبراء تكنولوجيا المعلومات والهندسة باتت تطالب بضرورة كسر هذا النمط التقليدي.
فبين “ريادة الأعمال” و”الابتكار المؤسسي” تبرز فرصة ذهبية للدولة لتحويل آلاف الأفكار السنوية إلى مشروعات تجارية وحلول تقنية تخدم التنمية الاقتصادية وتسد فجوات سوق العمل.
قالت الدكتورة منى طمان استشاري تكنولوجيا المعلومات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وعضو المجلس القومي للمرأة– فرع الإسكندرية، إن مشروعات التخرج في الجامعات تعاني من غياب آليات الاستفادة الفعلية منها بعد تسليمها، إذ غالبًا ما تُنفذ كأبحاث أكاديمية أو نماذج أولية ثم يتم إيداعها دون تطوير أو تطبيق عملي على أرض الواقع.
وأضافت “طمان” في تصريحات خاصة لـ«البورصجية» أن الحل الجوهري لهذه المشكلة يكمن في ربط مشروعات التخرج بريادة الأعمال، بحيث يتلقى الطالب، في عامه الدراسي الأخير، تدريبًا ودراسة حقيقية لمفاهيم ريادة الأعمال، أيًا كان تخصصه، سواء في الكليات العملية أو النظرية مثل الإعلام أو الهندسة وغيرها.
وأكدت أن مشروع التخرج يجب أن يُنظر إليه باعتباره نواة لمشروع تجاري قابل للتنفيذ وتحقيق الربح، وليس مجرد متطلب دراسي ينتهي بانتهاء العام الجامعي.
وشددت الدكتورة منى على أن هناك بالفعل العديد من مشروعات التخرج التي تتضمن أفكارًا مبتكرة وإبداعية وقابلة للتطبيق العملي، بل ويمكن للدولة أو الجهات الحكومية الاستفادة منها لاحقًا بعد تطويرها. إلا أن ما ينقص الطلاب هو الرؤية المستقبلية والقدرة على تحويل الفكرة إلى مشروع مستدام، وهو ما يمكن تحقيقه من خلال دمج ثقافة ريادة الأعمال في العملية التعليمية.
وأضافت استشاري تكنولوجيا المعلومات أن الفكر السائد لدى كثير من الشباب حاليًا يتجه نحو البحث عن السفر إلى الخارج أو الحصول على وظيفة بدخل مرتفع وساعات عمل أقل، وهو ما وصفته بأنه تفكير قصير المدى.
وأكدت أن توجيه الطلاب إلى اعتبار مشروع التخرج هو مشروعهم الشخصي الخاص بهم من شأنه أن يخلق طموحًا مختلفًا، ويعزز لديهم الرغبة في التنفيذ داخل مصر بدلًا من الهجرة أو البحث الدائم عن فرص خارجية.
وأوضحت “طمان” أن الطالب عندما يدرك أن مشروع التخرج يمكن أن يكون مصدر دخله الأساسي، سيعمل على تطويره بجدية أكبر، وسيبحث عن فرص الدعم والتمويل.
وأشارت عضو المجلس القومي للمرأة إلى أن الدولة إلى جانب صناديق الاستثمار والمستثمرين، يمكن أن تلعب دورًا مهمًا في دعم هذه المشروعات، خاصة في الجوانب المالية والتقنية، بما يسهم في تحويل أفكار الطلاب إلى مشروعات حقيقية تساهم في التنمية الاقتصادية وتوفير فرص عمل.
واختتمت الدكتورة منى حديثها بالتأكيد على أن الاستثمار في مشروعات التخرج المدعومة بريادة الأعمال لا يخدم الطالب فقط، بل يخدم المجتمع والدولة ككل، من خلال استثمار طاقات الشباب وأفكارهم الإبداعية بدلًا من إهدارها أو تركها حبيسة الأدراج.
من جانبها قالت الأستاذ الدكتور غادة محمد عامر ، أستاذ الهندسة- بكلية الهندسة جامعة بنها، وخبير الذكاء الاصطناعي بمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء إنه يمكن أن تتحول مشروعات التخرج التي ينفذها الطلاب إلى أداة رائدة لتحقيق الابتكار المؤسسي إذا نُظمت بشكل يساعد على الانتقال من التعليم إلى التطبيق الفعلي مع الحفاظ على قيم البحث العلمي وشفافيته، فهناك ثلاث جوانب رئيسية يمكن تعزيزها لاستثمار هذه المشروعات وعدم إبقائها حبيسة الأدراج.
وأشارت الأستاذ بجامعة بنها في تصريحات خاصة لـ«البورصجية» لضرورة تحسين سلسلة الاختبار والتقييم داخل المؤسسة بحيث تصبح نتائج مشروعات التخرج مدخلاً لتطوير منتجات أو خدمات أو حلول عملية، وذلك عبر إعداد إطار عمل واضح يحدد خطوط التواصل بين الطالب وجهة الاستفادة والجهة الاستشارية الأكاديمية، وتوثيق الأطر البحثية، كما يمكن أن تتيح هذه الأطر اشتراك الطلاب في فرق عمل مشتركة مع أقسام أخرى أو شركاء صناعيين يتيحون تجربة الواقع وتقييم أثر الحلول المقترحة بشكل دوري.
وتطرقت “عامر” للحديث عن بنية التمكين والتحفيز المؤسسي إذ يجب توفير مساحات ومسارات لنشر المشروعات وتبنيها عبر منصات داخلية وخارجية حيث يمكن عرض النتائج وتقييم جدوى تطبيقها، ويفضل أن تكون هناك آليات حماية للحقوق الفكرية وتحديد نسب الملكية واستخدام البيانات وتوثيقها بشكل يحفظ السرية عند الحاجة مع توفير بنية تشاورية تشمل لجان مختصة، وبذلك تتحول المشاريع من منتجات أكاديمية محتملة إلى مصادر للحلول التي تخدم المستهلكين الحقيقيين وتسد فجوات سوق العمل.
وأشارت “عامر” لإدارة المعرفة وتوثيقها وتوسيع أثرها عبر نشر نتائج المشروعات وتعميم الدروس المستفادة، فبدلاً من حصر الفكرة في ملف تسليم النهائي يمكن إنشاء كتالوج مركزي للمشروعات الناجحة يضم ملخصات عملية وخطة نقل التكنولوجيا وخريطة طريق للتطوير المستمر، مع ربط هذا الكتالوج بأنظمة إدارة المعرفة في الجامعة وبتوجيه من مكتب الابداع والابتكار لتعزيز قنوات الترويج والربط بين البحث الأكاديمي والاحتياجات التنموية، كما يمكن تعزيز ثقافة التعاون بين الطلاب وأعضاء الهيئة التدريسية من خلال تنظيم مسابقات عرض وتقييم دوري للوصول إلى حلول قابلة للتسويق أو التطبيق المؤسسي
واختتمت خبير الذكاء الاصطناعي حديثها بأنه يمكن للجامعات أن تستفيد من ربط مشروعات التخرج بسلاسل قيمة واضحة تشمل الاستكشاف العلمي والتطوير التكنولوجي وتوظيف النتائج في المجتمع.





