في وقت كانت فيه مصر تبدأ تدريجيًا في استعادة توازنها الاقتصادي بعد سنوات من الضغوط، جاءت الحرب على إيران، لتفتح بابًا واسعًا من التساؤلات حول حجم التداعيات المحتملة على الاقتصاد المصري، خاصة في ظل ارتباطه المباشر بعدد من القطاعات الحساسة مثل الطاقة والتجارة الدولية والسياحة وتدفقات الاستثمار الأجنبي.
ويرى الخبير الاقتصادي، محمد الجوهري، رئيس مركز أكسفورد للدراسات الاقتصادية، أن هناك عوامل قد تحد من استمرار صعود الدولار، منها تعزيز الاحتياطي النقدي وتنويع مصادر العملة الأجنبية مثل السياحة وإيرادات قناة السويس والصادرات، مرجحًا إمكانية تراجعه تدريجيًا إذا هدأت التوترات واستقرت الأسواق العالمية.
ويقول الخبير الاقتصادي مدحت نافع إن دخول أطراف إقليمية مثل الحوثيين على خط المواجهة في البحر الأحمر قد يؤدي إلى شبه توقف لعائدات قناة السويس، نتيجة عزوف السفن عن المرور وارتفاع تكاليف التأمين والشحن، كما أشارت تقارير إلى أن بعض شركات الشحن العالمية بدأت بالفعل في إعادة النظر في مساراتها، وكان من بينها شركة “ميرسك” التي أوقفت المرور عبر القناة في ظل تصاعد المخاطر، ويمثل قطاع الطاقة أحد أبرز القنوات التي قد تنتقل عبرها تداعيات الحرب على إيران إلى الاقتصاد المصري، خاصة مع ارتباط البلاد بسوق الغاز الإقليمي.
إجراءات عاجلة
وفي محاولة لاحتواء تداعيات القرار، اتخذت الحكومة مجموعة من الإجراءات العاجلة لتأمين احتياجات السوق المحلي، من بينها تقديم موعد استلام شحنات من الغاز الطبيعي المسال، إضافة إلى إعادة تنظيم الشحنات المتعاقد عليها دوليًا.
ووفق مسؤول حكومي، حصلت مصر خلال الأيام الماضية على نحو 300 مليون قدم مكعب يوميًا من الغاز عبر سفينة التغويز في العقبة بالأردن، في إطار ترتيبات مشتركة لتعويض غياب الغاز الإسرائيلي. كما أوقفت مصر ضخ نحو 350 مليون قدم مكعب يوميًا من الغاز كانت مخصصة للتصدير عبر مصنع إدكو للإسالة، في خطوة تهدف إلى تعزيز الإمدادات المحلية وضمان استقرار شبكة الكهرباء.
وقررت الحكومة تعديل أسعار بعض المنتجات البترولية وغاز السيارات في ظل هذه الظروف الاستثنائية، حيث رفعت أسعار الوقود بنسب تراوحت بين 14% و17%، فقد شملت الزيادة السولار الذي ارتفع إلى 20.5 جنيه للتر، وبنزين 80 إلى 20.75 جنيه، وبنزين 92 إلى 22.25 جنيه، بينما وصل بنزين 95 إلى 24 جنيهاً للتر.
وقال مدير إدارة البحوث المالية في شركة أكيومن لإدارة الأصول مصطفى شفيع إن ارتفاع أسعار النفط والنقل عالميًا سيؤدي إلى زيادة معدلات التضخم عالميًا، وهو ما سينتقل بدوره إلى الاقتصاد المصري باعتباره مستوردًا للعديد من السلع.
وأضاف أن هذه التطورات قد تدفع البنك المركزي المصري إلى إعادة تقييم سياسته النقدية خلال الاجتماعات المقبلة، وربما تثبيت أسعار الفائدة أو رفعها إذا استمرت التوترات لفترة طويلة.
السياحة والصادرات
وقال رئيس اتحاد الغرف السياحية حسام الشاعر إن تأثير الحرب على إيران في حركة السياحة بدأ محدودًا في الأيام الأولى، لكنه قد يتضح بشكل أكبر مع نهاية الأسبوع إذا استمرت العمليات العسكرية واتسعت رقعتها، وأشار إلى أن الأسواق الأمريكية وبعض الأسواق الآسيوية قد تكون الأكثر تأثرًا، خاصة تلك التي تعتمد على شركات الطيران الخليجية في نقل السياح إلى مصر.
ولم تقتصر تداعيات الأزمة على قطاعي السياحة والطاقة، بل امتدت أيضًا إلى حركة الصادرات المصرية، خاصة الحاصلات الزراعية الطازجة.
وقال رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين علي عيسى إن اضطراب حركة الطيران وإغلاق بعض المجالات الجوية أثر بشكل مباشر على تدفق الصادرات المصرية، خاصة الخضروات والفواكه المتجهة إلى دول الخليج وأفريقيا وجنوب شرق آسيا.
وأوضح أن توقف بعض الرحلات الجوية والبحرية أدى إلى زيادة تكاليف النقل، خصوصًا عند اللجوء إلى مسارات أطول مثل طريق رأس الرجاء الصالح للوصول إلى الأسواق الأوروبية.
أدوات احتواء
وقال النائب محمد فؤاد إن الاقتصاد المصري يمتلك عددًا من عناصر الاحتواء، من بينها مرونة سعر الصرف ووجود احتياطيات نقدية مناسبة تسمح بامتصاص الصدمات تدريجيًا.
ويرى الدكتور كريم عادل، مدير مركز العدل للدراسات الاقتصادية، أن الاقتصاد المصري أصبح أكثر استعدادًا للتعامل مع الصدمات الخارجية مقارنة بما كان عليه قبل عقد من الزمن، موضحًا أن تحرير سعر الصرف وتبني سياسات نقدية أكثر مرونة أسهما في خلق آلية تلقائية لامتصاص الضغوط الناتجة عن أي اضطرابات عالمية.
وترى الدكتورة شيماء فرغلي الاستشاري الاقتصادي أن الاقتصاد المصري شهد تحولات من شأنها أن تجعله أكثر مرونة في مواجهة التقلبات العالمية، تتمثل في إصلاحات مؤسسية وهيكلية طويلة الأجل تستهدف تحسين بيئة الأعمال، وتعزيز الشفافية، ورفع كفاءة الإنفاق العام، وترى أن مصر تدخل هذا الاختبار وهي تمتلك خبرة في إدارة الأزمات، وأدوات اقتصادية أكثر تطورًا، وهو ما يمنحها قدرة نسبية على امتصاص الصدمات، شريطة استمرار مسار الإصلاح وتعميق الاعتماد على الإنتاج والتصدير.



