عالم

إيران على صفيح ساخن.. احتجاجات داخلية واعتقالات واسعة، وتصعيد أمريكي مفتوح

تشهد إيران خلال الأسابيع الأخيرة حالة من الاضطراب المتصاعد، تداخلت فيها الاحتجاجات ذات الخلفيات الاقتصادية مع مواجهات أمنية دامية، في ظل توتر سياسي وعسكري متزايد مع الولايات المتحدة وإسرائيل، الأمر الذي أثار مخاوف داخلية وخارجية من انزلاق البلاد نحو مرحلة أكثر تعقيدًا على المستويين الداخلي والإقليمي.

عمليات أمنية وتوقيفات في عدة مدن إيرانية

بحسب ما أوردته وكالة “تسنيم” الإيرانية، أعلنت قيادة قوى الأمن الداخلي تنفيذ عمليات توقيف وصفتها بـ”النوعية”، استهدفت عناصر اعتُبرت من الصفوف الأمامية المتورطة في أعمال الشغب التي شهدتها مدن إيرانية مختلفة.

وأكد القائد العام لقوى الأمن أن التطورات الميدانية الأخيرة جاءت نتيجة تنسيق مكثف بين الأجهزة الأمنية وقوات إنفاذ القانون، ما أسهم في تعزيز السيطرة على الأوضاع في عدد من المناطق.

وأشار المسؤول الأمني الأيراني، إلى بروز تحولَين لافتَين خلال الأيام الماضية، أولهما صدور مواقف شعبية في بعض المحافظات أدانت أعمال العنف والتخريب، وثانيهما تبلور تمييز أوضح بين الاحتجاجات السلمية ومجموعات قال إنها سعت إلى دفع الشارع نحو الفوضى، ولفت إلى أن غالبية الوفيات المسجلة نجمت عن استخدام أسلحة بيضاء، معتبرًا أن ذلك يعكس نمطًا متعمدًا لإيقاع أكبر عدد ممكن من الضحايا.

وشدد على أن بعض المشاركين في أعمال الشغب “يُستَخدمون كأدوات لتحقيق أهداف عنيفة”، معتبرًا أن ما جرى لم يكن عفويًا بل جاء في إطار مخطط يستهدف زعزعة الأمن الداخلي.

“لاريجاني”: التظاهر حق… والعنف خط أحمر

وفي السياق نفسه، نقلت وكالة “تسنيم” عن أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، “علي لاريجاني”، تأكيده ضرورة الفصل الواضح بين الاحتجاجات ذات الطابع المطلبي وأعمال العنف والتخريب.

وقال “لاريجاني” إن المطالب الاقتصادية، وفي مقدمتها أزمة العملة وتراجع القدرة الشرائية، “مفهومة ومشروعة”، مشيرًا إلى أن المرشد الأعلى “علي خامنئي” سبق أن أقرّ بذلك، إلا أنه اتهم ما وصفه بـ”تيار منظم ومخرب” باستغلال هذه الاحتجاجات ودفعها نحو مسار دموي.

وتحدث “لاريجاني” عن أعمال قتل وحرق واعتداءات قال إنها تشبه، في أساليبها، ممارسات تنظيمات إرهابية مثل “داعش”، مشيرًا إلى إصابة أعداد كبيرة من عناصر الشرطة ومقتل بعضهم، إلى جانب سقوط ضحايا من المدنيين، وفق تقارير رسمية.

تصعيد في الخطاب الأمريكي

على الصعيد الدولي، تصاعدت لهجة الخطاب الإيراني تجاه الولايات المتحدة، فقد حذّر رئيس مجلس الشورى الإيراني، “محمد باقر قاليباف”، من أن أي عمل عسكري أميركي ضد إيران سيقابل برد مباشر يستهدف إسرائيل والقواعد العسكرية الأميركية في المنطقة، واصفًا إياها بأنها “أهداف مشروعة”.

ونقلت وكالة “رويترز” عن “قاليباف” قوله إن طهران “لن تنتظر الضربة الأولى”، ملمحًا إلى إمكانية توجيه رد استباقي في حال توفرت مؤشرات على تهديد وشيك.

ويأتي هذا التصعيد في وقت تحدثت فيه تقارير غربية عن دراسة واشنطن لخيارات عسكرية محتملة، دون اتخاذ قرار نهائي حتى الآن.

وكان الرئيس الأميركي “دونالد ترامب” قد أعلن دعمه للمتظاهرين، وكتب عبر منصته “تروث سوشيال” أن “إيران تنظر إلى الحرية ربما كما لم يحدث من قبل”، مؤكدًا استعداد بلاده لتقديم المساعدة.

كما ذكرت صحيفتا “نيويورك تايمز” ، و”وول ستريت جورنال”، نقلًا عن مسؤولين أميركيين، أن خيارات عسكرية عُرضت على “ترامب” دون حسم نهائي.

ونقلت وكالة “أسوشيتد برس” تحذيرًا صادرًا عن الخارجية الأميركية لطهران جاء فيه: “لا تختبروا جدية الرئيس ترامب”.

اتهامات بتدخل خارجي

في المقابل، أكد متحدث باسم الشرطة الإيرانية أن إسرائيل، وبعد فشلها، “بحسب تعبيره” في كسر وحدة المجتمع خلال الحرب التي استمرت 12 يومًا، لجأت إلى محاولة إشعال الفوضى عبر تجنيد مسلحين مدرَّبين، وقال إن عدم تجاوب المواطنين مع تلك الدعوات أسهم في إفشالها بسرعة.

وأضاف المتحدث أن حجم الاتصالات الواردة إلى خط الطوارئ عكس مستوى مرتفعًا من التعاون الشعبي، مشيرًا إلى تداول مقاطع مصورة تُظهر مسلحين يطلقون النار عشوائيًا على المدنيين وقوات الأمن بهدف نشر الذعر وزيادة عدد الضحايا، معتبرًا أن ذلك يشير إلى “دعم خارجي وتدريب مسبق”.

ونقلت مصادر مطلعة لوكالة “تسنيم”، أن عدد الضحايا في الهجمات الأخيرة كان كبيرًا ومقلقًا، مشيرة إلى أن الفوضى كانت مهيأة لتكون غطاءً لعمليات وُصفت بالإرهابية، استهدفت أسواقًا ووسائل نقل عامة ومراكز حكومية باستخدام أسلحة نارية وبيضاء ومواد متفجرة بدائية.

احتجاجات مع قطع الاتصالات

ورغم القيود الصارمة المفروضة على الإنترنت والاتصالات الدولية، ظهرت مقاطع مصورة من داخل إيران يُرجّح أن بعضها أُرسل عبر أقمار صناعية مثل “ستارلينك”، أظهرت تجمعات لمحتجين في أحياء شمال طهران، إلى جانب احتجاجات في مشهد وكرمان، تخللتها مواجهات مع قوات الأمن وإغلاق طرق وإشعال حاويات قمامة.

وتكتسب احتجاجات مشهد حساسية خاصة نظرًا لاحتضانها “ضريح الإمام الرضا”، أحد أقدس المواقع الشيعية.

وفي المقابل، بث التلفزيون الرسمي الإيراني تقارير من مدن وصفها بالهادئة، إلى جانب مشاهد لتظاهرات مؤيدة للحكومة في قم وقزوين، في مسعى لإظهار السيطرة على الوضع.

مشهد تتداخل فيه كافة الاحتمالات

تأتي هذه التطورات في ظل أزمة اقتصادية خانقة، تفاقمت مع انهيار العملة الإيرانية إلى مستويات غير مسبوقة، واستمرار تداعيات العقوبات الدولية المرتبطة بالملف النووي.

ومع تصاعد الخطاب الأمني، والتلويح بعقوبات قاسية قد تصل إلى الإعدام بحق المشاركين أو المتعاونين، تبدو إيران أمام مفترق طرق حاسم، تتقاطع فيه الاحتجاجات الداخلية مع صراع إقليمي ودولي مرشح لمزيد من التصعيد.

اقرأ أيضا: سوريا.. محافظ حلب: انتهاكات «قسد» أسفرت عن مقتل مدنيين وإصابة العشرات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *