تصاعدت خلال الفترة الأخيرة حالة الجدل في الأوساط الاقتصادية حول حجم مديونية رجل الأعمال محمد الخشن، رئيس مجلس إدارة شركة إيفرجرو للأسمدة المتخصصة، بعد تداول أرقام تشير إلى وصول التزاماته المالية تجاه البنوك إلى أكثر من 40 مليار جنيها.
وبين ما يتم تداوله من معلومات وما أعلنته الشركة رسميًا، تتكشف ملامح أزمة مالية معقدة تتداخل فيها عوامل اقتصادية وتمويلية وتشغيلية.
تقديرات المديونية وحقيقة الأرقام
بحسب المعلومات المتداولة، تُعد هذه الحالة واحدة من أكبر ملفات التعثر الائتماني في القطاع المصرفي المصري، حيث تتجاوز المديونية حاجز 40 مليار جنيها، موزعة على نحو 35 بنكًا محليًا.
في المقابل، أكدت شركة إيفرجرو أن هذه الأرقام لا تعبر عن أصل الدين الفعلي، موضحة أن المديونية الأساسية بلغت نحو 11.8 مليار جنيها في ديسمبر 2021، تشمل 6 مليارات جنيه تمويلات من بنوك مصرية، إلى جانب قرض مشترك بقيمة 425 مليون دولار.
وأشارت إلى أن الرقم المتداول حاليًا يتضمن الفوائد المتراكمة وتأثيرات تغير سعر الصرف، وليس مبالغ نقدية حصلت عليها الشركة بالكامل.
العوامل وراء تضخم الالتزامات
أرجعت الشركة تضخم المديونية إلى مجموعة من المتغيرات الاقتصادية، في مقدمتها الارتفاع الحاد في سعر صرف الدولار مقابل الجنيه، حيث انتقل من نحو 15.7 جنيها في عام 2021 إلى قرابة 54 جنيهًا في مارس 2026، ما أدى إلى زيادة كبيرة في قيمة الالتزامات الدولارية.
كما ساهمت الزيادات الكبيرة
في أسعار الفائدة في تفاقم الأزمة، إذ ارتفعت الفائدة على القروض الدولارية من 5.5% إلى 10.5%، بينما قفزت الفائدة على الجنيه المصري من نحو 8% إلى ما يقارب 30%.
إلى جانب ذلك، تأثرت الشركة بتداعيات الأزمات العالمية، وعلى رأسها جائحة كورونا والتوترات الدولية، والتي انعكست على سلاسل الإمداد البحري وتوافر الخامات، ما أثر سلبًا على استقرار الإنتاج وتنفيذ التعاقدات التصديرية.
تأثيرات تشغيلية وضغوط تمويلية
أوضحت الشركة أن من بين أبرز التحديات التي واجهتها عدم صرف التسهيلات المالية التي تم الاتفاق عليها مع البنوك في عام 2022 لضخ رأس مال عامل، وهو ما أدى إلى تراجع الطاقة الإنتاجية إلى نحو 50%.
هذا التراجع في التشغيل، بالتزامن مع ارتفاع تكلفة التمويل، ساهم في زيادة الضغوط على التدفقات النقدية، وأدى إلى تعقيد قدرة الشركة على الوفاء بالتزاماتها في مواعيدها.
تحركات البنوك ومسار التسوية
في ظل هذا الوضع، بدأت البنوك الدائنة تحركات مكثفة للتعامل مع الملف، حيث تم اختيار المحامي محمد حمودة ممثلًا قانونيًا للتفاوض مع الشركة، في خطوة تستهدف تسريع إجراءات التسوية والوصول إلى حلول توافقية.
وتشهد الفترة الحالية اجتماعات مكثفة بين الأطراف المعنية لبحث آليات التسوية، والتي تشمل إعادة هيكلة الديون أو وضع جداول سداد جديدة تتناسب مع القدرات التشغيلية للشركة، بما يضمن الحفاظ على حقوق البنوك واستمرار النشاط الاقتصادي.
خطوات إعادة الهيكلة السابقة
تأتي هذه التحركات استكمالًا لإجراءات بدأت بالفعل منذ نهاية عام 2024، حين تم تعيين مستشار مالي مستقل بناءً على طلب البنوك، للتفاوض بشأن إعادة جدولة المديونية.
وقد تم توقيع مذكرة تفاهم في نهاية 2024 تضمنت الخطوط العريضة للتسوية، تلتها مذكرة شروط وأحكام في مارس 2025، ثم توقيع اتفاق جدولة الشريحة المقومة بالجنيه المصري في ديسمبر 2025، مع استمرار مراجعة العقود الخاصة بالديون الدولارية ورأس المال العامل.
اتهامات بحملة ممنهجة
في سياق متصل، أشارت الشركة إلى تعرضها لما وصفته بحملة ممنهجة تستهدف النيل من سمعتها وسمعة إدارتها، مؤكدة أن تداول معلومات غير دقيقة بشأن حجم المديونية ينعكس سلبًا على مناخ الاستثمار.
وأعلنت أنها بصدد اتخاذ الإجراءات القانونية ضد أي تصريحات أو بيانات وصفتها بالمضللة، لما لها من تأثير مباشر على فرصها الاستثمارية.
رؤية قانونية وتحذيرات من تداعيات النشر
من جانبه، حذر المحامي الدولي خالد أبو بكر من خطورة تسريب أو نشر تفاصيل المعاملات المالية للشركات الكبرى، مؤكدًا أن سرية البيانات تمثل ركيزة أساسية لحماية الاستثمارات.
وأشار من خلال منشور كتبه عبر صفحته الرسمية على فيسبوك إلى أن الاقتراض يعد ممارسة طبيعية في عالم الأعمال، موضحًا أن تضخيم أرقام المديونية أو عرضها بشكل غير دقيق قد يؤثر سلبًا على تقييم الشركات وثقة المستثمرين، كما قد ينعكس على استقرار السوق ككل.
أهمية الملف للقطاع المصرفي
يرى مصرفيون أن هذا الملف يمثل اختبارًا مهمًا لقدرة الجهاز المصرفي على إدارة الديون الكبرى، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية العالمية وارتفاع تكلفة التمويل.
كما يعكس توجهًا متزايدًا داخل القطاع نحو تبني حلول مرنة للتعامل مع حالات التعثر، بما يحقق التوازن بين استرداد حقوق البنوك والحفاظ على استمرارية الكيانات الاقتصادية.
انعكاسات اقتصادية أوسع
تأتي هذه الأزمة في وقت يواجه فيه الاقتصاد تحديات متعددة، ما يسلط الضوء على حساسية القطاعات الإنتاجية الكبرى، خاصة قطاع الأسمدة الذي يمثل عنصرًا أساسيًا في دعم الزراعة وتعزيز الصادرات.
كما تبرز أهمية التعامل المسؤول مع المعلومات الاقتصادية، نظرًا لتأثيرها المباشر على ثقة المستثمرين والبيئة الاستثمارية.



