شهادة من قلب العبور.. رواية على لسان البطل محمد محمد فهمي

شهادة من قلب العبور.. رواية على لسان البطل محمد محمد فهمي

العبور

مشاركة المقال:
حجم الخط:

قبيل ذكرى انتصار العاشر من رمضان 1393هـ، الموافق للسادس من أكتوبر 1973، نستعيد واحدة من شهادات العبور في حرب أكتوبر 1973، التي خاضتها مصر وسوريا ضد إسرائيل، وسُطّر فيها فصل جديد من الكرامة الوطنية.

في مساء التاسع من رمضان عام 1973، داخل مدينة بورسعيد، كان محمد فهمي – آنذاك ملازمًا شابًا في السرية الأولى – يجلس مع زملائه الضباط ينتظر أذان المغرب. دقائق قليلة تفصلهم عن الإفطار، وأمامهم وجبة متواضعة من السمك المشوي.

يقول البطل محمد محمد فهمي:

“لم نكن نعلم أن تلك الدقائق القليلة قبل الإفطار ستفصل بين زمنين… زمن الانتظار، وزمن الحرب.”

رنّ هاتف الميدان. جاء الأمر برفع الاستعداد. ثم تأكيد بالتحرك بعد الإفطار بنصف ساعة. لا عربات. تحرك سيرًا على الأقدام إلى الموقع الدفاعي غرب قناة السويس، عند علامة كم 19، في مواجهة حصن إسرائيلي على الضفة الشرقية.

السير نحو القدر

تحركت السرية من فندق مدمر في بورسعيد، كانت قد قصفته الطائرات الإسرائيلية في سنوات الاستنزاف. المدينة كانت شبه خالية، والجنود يسيرون أكثر من أربعين كيلومترًا وهم يرددون الأغاني العسكرية.

يتذكر فهمي:

“كنا نظنها مجرد إعادة تمركز… لم يخطر ببالنا أن التاريخ ينتظرنا عند الضفة.”

عند كوبري الرسوة، قدّم رجال المقاومة الشعبية الشاي للجنود. ثم واصلوا السير بمحاذاة القناة حتى وصلوا إلى الموقع ليلًا. أضاء الحصن الإسرائيلي كشافاته، وكأنهم تعرّفوا إلى أصوات السرية التي احتكوا بها سابقًا.

بات الجنود في منتصف الموقع، في حالة ترقب وغموض.

الظرف الأحمر

في صباح السادس من أكتوبر – العاشر من رمضان – وصلت سيارة جيب تحمل ظرفًا مختومًا بالشمع الأحمر. أمر قائد الكتيبة بفتحه في تمام الساعة الثانية عشرة ظهرًا.

يقول فهمي:

“عندما قرأ النقيب الأمر، صمت لحظة. كانت جملة واحدة… لكنها غيّرت مجرى حياتنا.”

“ينفذ أمر القتال الساعة 14:45 يوم 6 أكتوبر.”

لم يعد هناك مجال للتأويل. بدأت الحرب.

لحظة العبور

قبل الموعد بدقائق، عبرت الطائرات المصرية على ارتفاع منخفض. فهم محمد فهمي أن ساعة الصفر قد حانت. لم ينتظر طويلًا. أصدر أوامره للفصيلة بالتحرك.

نزلت القوارب إلى مياه القناة تحت نيران كثيفة. مدافع ورشاشات وقذائف مضادة للدبابات انهمرت من الحصن. انحرف أحد القوارب تحت ضغط التيار والنيران، وبدا المشهد كأنه طريق مفتوح إلى الشهادة.

لكن محمد فهمي لم يتراجع.

“لم أفكر في الموت… فكرت فقط أن الحصن يجب أن يسقط.”

اندفع فوق الألغام والأسلاك الشائكة، تبعه الجندي عطا عبد الرحيم. تمكنا من اعتلاء الساتر الترابي. أمر الجندي بتأمين ظهره، ثم اقتحم الحصن في قتال مباشر.

خلال دقائق حاسمة، سقط عدد كبير من جنود الحامية الإسرائيلية. وأعطى فهمي الإشارة لاقتحام بقية الجنود. تم الاستيلاء على الحصن بالكامل.

وصل البلاغ سريعًا إلى القيادة العامة. كان ذلك من أوائل الحصون التي سقطت في الساعات الأولى للعبور.

بين الصيام والنصر

يختتم محمد فهمي شهادته قائلًا:

“كنا صائمين… متعبين من السير… لكننا كنا نحمل يقينًا لا يُهزم. في التاسع من رمضان كنا ننتظر الإفطار، وفي العاشر منه كنا نعبر القناة ونستعيد الأرض.”

بهذه الكلمات يروي البطل إحدى لحظات العبور في حرب أكتوبر 1973، حين تحوّل جنود بسطاء إلى صُنّاع تاريخ، وحين أصبح الحلم حقيقة على الضفة الشرقية للقناة.

شهادة يكتبها التاريخ… ويرويها من عاشها.

مقالات مقترحة

عرض الكل