
شهدت التحركات الدبلوماسية الأمريكية والأوربية بشأن الحرب الروسية الأوكرانية، نشاطًا ملحوظًا نتج عنه وضع خطط سلام لأوكرانيا، وذلك بعد تقديم الإدارة الأمريكية خطة سلام مكونة من 28 بندًا، تشمل مقترحات اعتبرتها أوروبا “مثيرة للجدل”، مثل تحديد حجم القوات الأوكرانية، وتعديل الدستور الأوكراني لعدم الانضمام إلى الناتو، والاعتراف بالسيادة الروسية على القرم ودونيتسك ولوغانسك، إضافة إلى رفع العقوبات المفروضة على موسكو، وأشارت صحيفة الجارديان البريطانية إلى أن المقترحات أثارت قلق كييف وحلفائها الأوروبيين، الذين اعتبروا أن الخطة تميل لصالح روسيا وتعيد طرح التنازلات الإقليمية.
محادثات جنيف وتعديل الخطة:
في 23 و24 نوفمبر، أوردت مكتبة مجلس العموم البريطاني، أن محادثات جنيف بين الولايات المتحدة وأوكرانيا وحلفاء أوروبيين أسفرت عن اتفاق على خطة منقحة مكوّنة من 19 بندًا، تهدف إلى الحد من المكاسب الروسية، خصوصًا فيما يتعلق بانضمام أوكرانيا للناتو ومسألة الأراضي التي سيطرت عليها روسيا، وفي هذا الإطار، أكد بيان للرئاسة الأوكرانية أن أي اتفاق مستقبلي يجب أن يحافظ على سيادة أوكرانيا ويحقق سلامًا مستدامًا وعادلاً، مع استمرار بعض النقاط الحساسة مثل الاعتراف بالأراضي المحتلة وضمانات الأمن.
مواقف روسيا:
وفقا للكرملين في 27 نوفمبر 2025، وصف الرئيس “فلاديمير بوتين” الخطة الأمريكية الأصلية بأنها يمكن أن تشكل أساسًا لتسوية نهائية إذا حافظت على روح اتفاقيات أنكوراج في أغسطس 2025، لكنه شدد على أنه إذا لم تنسحب القوات الأوكرانية من دونباس، ستلجأ موسكو إلى القوة العسكرية.
أما وزير الخارجية “سيرجي لافروف” فقد أوضح في تصريحات له في 25 نوفمبر 2025 أن “الأحكام الرئيسية” للخطة الأصلية تستند إلى تفاهمات القمة الروسية الأمريكية السابقة في ألاسكا، ورفض التنازل عن المطالب الروسية.
موقف الولايات المتحدة:
أكد الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب”، وفقًا لتصريحاته في 25 نوفمبر 2025، أن الخطة الأمريكية بمثابة “خريطة طريق”، وأن التوصل إلى اتفاق سيكون أمرًا جيدًا لأوكرانيا دون تحديد موعد نهائي مؤكد، وفي منشور على منصة تروث سوشيال أوضح “ترامب” أن الولايات المتحدة وأوكرانيا عدّلتا الخطة بدقة، ولم يتبق سوى عدد قليل من نقاط الخلاف، مؤكدًا أنه سيجتمع بـ”زيلينسكي”، و”بوتين” فقط عندما تكون الصفقة النهائية قريبة.
وأشارت صحيفة “إندبندنت” البريطانية، إلى أن الخطة الأمريكية تضمنت بنودًا واضحة لصالح موسكو، مثل الاعتراف بسيادتها على الأراضي المحتلة، وهو ما رفضته كييف بشكل قاطع وفقًا لتصريحات كبير المفاوضين الأوكرانيين السابق “أندري يرماك” وفقا لصحيفة “التيليغراف”.
كما تضمنت الخطة الأمريكية بنودًا أخرى تتعلق بالبنية التحتية والاقتصاد، مثل إعادة بناء أوكرانيا جزئيًا وتمويل مشاريع تنموية، لكنها كانت أقل تفصيلًا مقارنة بالخطة الأوروبية التي جاءت لاحقًا، وعلى الرغم من التقدم المعلن، شهدت الخطة رفضًا شديدًا من كييف وأوروبا، لأن بنودها تمثل تسليمًا جزئيًا للأراضي الأوكرانية لروسيا، وهو ما دفع القوى الأوروبية الكبرى لإعداد خطة مضادة أكثر تحفظًا لصالح أوكرانيا، كما ذكرت “رويترز”.
المواقف الأوروبية وحلف الناتو:
فيما يتعلق بالمواقف الأوروبية، أكد رئيس الوزراء البريطاني “كير ستارمر” في مجلس العموم أن الخطة الأمريكية الأصلية تحتوي على نقاط غير مقبولة، لكنها تتضمن عناصر مهمة لسلام عادل ودائم، مشددًا على ضرورة الحفاظ على سيادة أوكرانيا وضمان قدرتها على الدفاع عن نفسها، وأن مستقبل البلاد يجب أن يقرره الأوكرانيون أنفسهم.
أما المفوضة العليا للشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي، “كايا كالاس”، فقد رحبت بالجهود الأمريكية، لكنها دعت إلى وقف إطلاق نار فوري وزيادة العقوبات على روسيا، مع تقديم دعم مالي وعسكري أكبر لأوكرانيا.
وأكد الأمين العام لحلف الناتو “مارك روته” في مقابلة مع صحيفة “إلباييس”، أن عضوية أوكرانيا في الحلف لن تُعطى حق النقض لروسيا، وأن أي خطة سلام ستتطلب مناقشات منفصلة مع الدول الأعضاء.
موقف كييف من الضغوط الأمريكية:
شدد كبير المفاوضين الأوكرانيين السابق “أندري يرماك”، وفقًا لصحيفة “التلجراف” البريطانية ، على رفض التنازل عن الأراضي، مؤكدًا أن “زيلينسكي” لن يسمح بالتخلي عن أي جزء من دونباس، وأن أي اتفاق يقبل الضغوط الأمريكية لصالح روسيا مرفوض تمامًا.
ورغم الضغوط، واصلت كييف العمل على تسوية متوازنة، مع الالتزام بالدستور الذي يمنع التنازل عن الأراضي حسبما ذكرت وزارة الدفاع الأوكرانية.
الرد الأوروبي على خطة النقاط الـ 28 الأمريكية:
أفادت وكالة “رويترز” أن القوى الأوروبية الكبرى، ممثلة في بريطانيا وفرنسا وألمانيا، أعدت اقتراحًا مضادًا لخطة السلام الأمريكية المكوّنة من 28 بندًا، مستندين إلى نفس النقاط كأساس لكنه يضيف تعديلات جوهرية تهدف إلى حماية سيادة أوكرانيا وحقوقها الإقليمية.
وفقًا للخطة الأوروبية، يجب إعادة تأكيد سيادة أوكرانيا بالكامل، مع التوصل إلى اتفاق عدم اعتداء شامل بين روسيا وأوكرانيا وحلف الناتو، ومعالجة أي مخاوف أمنية تعود إلى العقود الثلاثة الماضية، وقد تم حذف بعض النقاط الأمريكية التي تتيح لروسيا فرض قيود على توسع الناتو، بينما أُضيفت ضمانات لأوكرانيا لضمان أمنها وحماية حدودها.
وتتضمن الخطة أيضًا حجم الجيش الأوكراني عند 800,000 جندي في وقت السلم، مع بقاء إمكانية الانضمام للناتو مرتبطة بموافقة جميع الدول الأعضاء، وعدم نشر قوات الناتو بشكل دائم داخل أوكرانيا، مع تمركز طائرات مقاتلة للناتو في بولندا فقط، وفي حال حدوث أي اعتداء من روسيا، يتم تفعيل رد عسكري منسق وإعادة فرض العقوبات الدولية على موسكو، مع سحب أي اعتراف بالإقليم الجديد أو المزايا المرتبطة به.
وعلى الصعيد الاقتصادي، تضمنت الخطة الأوروبية إعادة تطوير أوكرانيا بالكامل، بما في ذلك إنشاء صندوق للاستثمار في الصناعات عالية النمو، واستعادة وتحديث البنية التحتية للغاز، ومشاريع إعادة تطوير المناطق المتضررة من الحرب، بالتعاون مع الولايات المتحدة والبنك الدولي، كما نصت على إعادة دمج روسيا تدريجيًا في الاقتصاد العالمي عبر اتفاقيات تعاون طويلة المدى، مع منح روسيا فرصة للعودة إلى مجموعة الثماني بشكل تدريجي.
ومن الناحية الإقليمية، شددت الخطة على أن أوكرانيا لن تستعيد أراضيها بالقوة العسكرية، على أن تبدأ مفاوضات حول الترتيبات الإقليمية من خطوط التماس الحالية، مع التزام جميع الأطراف بعدم تغيير هذه الترتيبات بالقوة، كما تشمل الخطة إنشاء لجنة إنسانية لتبادل السجناء، وإعادة المحتجزين المدنيين، ومعالجة معاناة ضحايا النزاع، وإجراء الانتخابات الأوكرانية بأسرع وقت ممكن بعد توقيع اتفاق السلام.
أما على صعيد الطاقة والبيئة، فشملت الخطة الأوروبية إعادة تشغيل محطة زابوريجيا للطاقة النووية تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مع تقاسم الإنتاج بنسبة 50-50 بين روسيا وأوكرانيا، وضمان احترام أوكرانيا لقواعد الاتحاد الأوروبي المتعلقة بالتسامح الديني وحماية الأقليات اللغوية.
وفيما يخص التنفيذ، أكدت “رويترز” أن الخطة نصت على أن يكون الاتفاق ملزمًا قانونيًا، مع إنشاء مجلس للسلام برئاسة الرئيس الأمريكي لمراقبة الالتزام بالتنفيذ، ووقف إطلاق النار بمجرد الموافقة على النقاط المتفق عليها، تحت إشراف الولايات المتحدة لضمان نزاهة التطبيق.
ووفقا لما سبق، إن الولايات المتحدة وأوروبا يسعون لتهدئة الأزمة في أوكرانيا، في حين تظل روسيا متمسكة بمواقفها، وأوكرانيا ملتزمة بالحفاظ على أراضيها، بحسب “الجارديان” البريطانية، ومع استمرار جولات المحادثات في ديسمبر، يبقى المشهد مفتوحًا على احتمالات عدة، من تسوية سياسية محدودة إلى استمرار المواجهة العسكرية والدبلوماسية، وسط اعتماد أوكرانيا الكبير على الدعم الغربي لضمان صمودها.
اقرأ أيضا: زيلينسكي: موجة ضربات روسية جديدة على كييف تسبب أضرار واسعة وحرائق




