دفعَت الحكومة بملف توطين صناعة السيارات إلى صدارة أجندتها الاقتصادية، خلال اجتماع موسع جمع وزير الصناعة مع وزيري الاستثمار والتجارة الخارجية والمالية، لمراجعة محاور البرنامج الوطني لتنمية صناعة السيارات، وإعادة ضبط إيقاعه بما يتماشى مع متغيرات السوق واحتياجات المصنعين.
الاجتماع الذي حضره عدد من أعضاء المجلس الأعلى لصناعة السيارات ووحدة صناعة السيارات، انتهى إلى الاتفاق على تشكيل مجموعة عمل تضم ممثلين عن وزارات الصناعة والاستثمار والتجارة الخارجية والمالية والنقل، إلى جانب المجلس الأعلى، لمراجعة شاملة للبيانات المرتبطة بالبرنامج.
وتهدف هذه المراجعة إلى إعادة تقييم آليات التطبيق، والاستماع بشكل مباشر إلى الشركات العاملة في السوق المصري، وكذلك الشركات العالمية المستهدفة، للوقوف على احتياجاتها الفعلية ومقترحاتها لتعزيز مرونة البرنامج، بما يضمن استجابته للتحولات السريعة التي تشهدها صناعة السيارات عالميًا، ويُترجم ذلك إلى زيادة نسب المكون المحلي وتعميق التصنيع.
وزير الصناعة أكد أن البرنامج لا يقتصر على دعم الإنتاج المحلي، بل يضع التصدير كهدف استراتيجي، عبر رفع تنافسية السيارات المُصنعة في مصر، مستندًا إلى حزمة حوافز وتسهيلات تُعد – بحسب وصفه – ضمانة أساسية لخلق بيئة صناعية جاذبة لكبرى الشركات العالمية، بما ينعكس على جذب استثمارات في تصنيع المكونات أيضًا.
في قلب النقاش برز قطاع الصناعات المغذية بوصفه “العمود الفقري” لخطة الدولة في هذا الملف. فنجاح أي استراتيجية لتوطين السيارات يظل مرهونًا بقدرة الموردين المحليين على تلبية احتياجات التجميع والتصنيع بمعايير جودة وتكلفة تنافسية.
الحكومة تعهدت بتوفير آليات تمويل مناسبة، وإقرار حوافز فعالة، وتقديم تيسيرات إجرائية للمصانع العاملة في هذا المجال، تمهيدًا لبناء قاعدة تصنيع محلي متكاملة تعتمد بشكل أكبر على المنتج الوطني، وتدعم التوسعات المستقبلية في الطاقة الإنتاجية.
كما طُرحت أهمية دراسة تجارب دول نجحت في تحقيق طفرات بصناعة السيارات، بهدف الاستفادة من نماذجها في جذب الاستثمارات وبناء سلاسل إمداد قوية، خاصة في ظل احتدام المنافسة الإقليمية على استقطاب شركات التصنيع العالمية.
من جانبه، وصف وزير الاستثمار والتجارة الخارجية قطاع السيارات بأنه أحد الركائز الاستراتيجية للاقتصاد القومي، ليس فقط لتأمين احتياجات السوق المحلي، بل لدوره في رفع معدلات التشغيل وتحفيز الصناعات المرتبطة.
وأشار إلى أن السوق المصري يمتلك مقومات جذب قوية، في مقدمتها الحجم الاستهلاكي الكبير، إلى جانب شبكة اتفاقيات التجارة الحرة والتفضيلية التي تمنح المنتج المصري نفاذًا ميسرًا إلى أسواق متعددة، وهو ما يعزز فرص التوسع التصديري إذا ما تحققت وفورات الحجم وخفضت تكاليف الإنتاج.
وكشف عن دراسة منح حوافز إضافية وفقًا لقانون الاستثمار، بما يشجع على ضخ استثمارات جديدة وتوسيع الطاقات الإنتاجية خلال المرحلة المقبلة، في إطار توجه أوسع لتعزيز القدرة التنافسية للصناعة الوطنية.
وزير المالية شدد بدوره على أن توطين صناعة السيارات يتصدر أولويات الحكومة، موضحًا أن البرنامج الوطني يرتكز على حوافز استثمارية وضريبية وجمركية ترتبط بالأداء الفعلي للمصنعين، من حيث نسبة المكون المحلي، وحجم الإنتاج، ومعدلات التصدير.
الرسالة هنا واضحة: الدعم مشروط بتحقيق نتائج قابلة للقياس، وهو ما يعكس توجهًا نحو ربط السياسات التحفيزية بمؤشرات أداء حقيقية، مع التأكيد على سرعة الاستجابة لطلبات الشركات الجديدة الراغبة في الاستفادة من البرنامج.
المؤشرات الصادرة عن الاجتماع تعكس إرادة سياسية لتسريع وتيرة التنفيذ، لكن التحدي الحقيقي سيظل في تحويل التعهدات إلى إجراءات عملية تضمن وضوح القواعد واستقرار السياسات، وهما عاملان حاسمان في قرارات الاستثمار طويلة الأجل.
فصناعة السيارات لا تقوم فقط على الحوافز، بل على منظومة متكاملة تشمل استقرار تشريعي، وسلاسل إمداد قوية، وبنية تحتية لوجستية فعالة، وقدرة على تحقيق إنتاج كمي يخفض التكلفة ويعزز فرص التصدير.
ومع تحرك الحكومة لإعادة تقييم البرنامج والاستماع إلى المصنعين، تبدو المرحلة المقبلة اختبارًا حقيقيًا لقدرة السوق المصري على التحول من قاعدة تجميع إلى مركز صناعي إقليمي قادر على المنافسة.

