مصر

اقرأ للكاتب مصطفي عبيد…. كان الوفد ضمير الأمة

 

ثمة فرص نادرة تلوح فى الأفق، فكما يقول الفيلسوف الإنجليزى فرانسيس بيكون (١٥٦١-١٦٢٦) «فإن النبهاء هُم من يصنعون من الفرص أكثر مما يجدون».

“مخبرون ومخبرون”.. كتاب جديد للكاتب مصطفي عبيد

وغدًا موعد استحقاق مُهم يتجاوز انتخابات رئاسة حزب، ويمتد لنيل فرصة تحريك مياه راكدة لسنوات وسنوات. ففى بولس حنا، حيث مقر حزب الوفد الجديد يختار الناس رئيسًا جديدًا للحزب، لدورة تمتد أربع سنوات.

لا يكتسب الحدث أهميته من كونه اختيارًا بين ثلاثة مرشحين لقيادة حزب سياسى من بين أكثر من مائة حزب فى مصر لا يشعر بها المواطن البسيط.

ولا يتميز الاستحقاق عن غيره بالمنافسة المشتعلة بين اثنين من الشخصيات العامة المعروفة هما الدكتور السيد البدوى رجل الأعمال ورئيس الوفد الأسبق، والدكتور هانى سرى الدين القانونى والاقتصادى المعروف، وإنما يتميز الحدث بأنه يخص الوفد بما تحمله هذه الكلمة من معان وقيم وإشارات، وما تستدعيه من تاريخ وأحداث وشخوص على مدى أكثر من قرن من الزمن.
الوفد ليس حزبًا سياسيًّا، وليس جريدة، ليس مقرًّا لاجتماعات، وليس جسرًا لدخول البرلمان. ولا هو صالون ثقافى أو ناد اجتماعى أو مقر خدمى، وإنما هو ضمير للأمة المصرية، ارتبط بتطورها وانطلاقتها الشعبية الأولى، وصاغ تعبيرها المبكر عن مطالب الناس ورغباتهم أمام السلطة القائمة، احتلالًا وقصرًا فى زمن الملكية، ثم حكومات فيما بعد يوليو ١٩٥٢.

الوفد ضمير الأمة، عبارة مجهولة المصدر، لا تُنسب لسعد أو النحاس، ولا حتى مكرم عبيد ببلاغته الساحرة، وإنما أطلقتها الجماهير بعفوية خلال احتفالات عيد الجهاد فى الثلاثينيات، وهى تعنى أن الوفد كان دائمًا صوت الناس لا الحكومة، قلب الأمة النابض، ولسان الشعب لتحقيق ما يطمح إليه.

ففى معارك الاستقلال والاستبداد والاعتداء على الدستور، صاغ الوفد قيم الاستقلال والمواطنة وسيادة الأمة والعدالة الاجتماعية، وفصّلها ورسخّها فى الأذهان جيلًا بعد آخر، فصارت دليلًا يسير على خطاه بنو الوطن.

ورغم إعدام الوفد شكليًّا وقانونيًّا فى يناير ١٩٥٣ بقرار سلطوى لرجال يوليو، فقد ظل حاضرًا فى أذهان ونفوس وقلوب الناس، حتى إذا توارب الباب قليلًا لتستعيد مصر التعددية الحزبية، سارعت الجماهير للانضمام له ما أدهش الرئيس الراحل السادات وأقلقه. ورغم القيود التى فرضتها السلطة، والحواجز التى وضعتها فى طريق التجربة، فقد عاد الوفد إلى النور بحكم قضائى سنة ١٩٨٤ بزعامة تاريخية لفؤاد سراج الدين الذى يُحسب له إعادة بعث الوفد بعد حظر طال أكثر من ثلاثة عقود.

مع السنوات ولأسباب عديدة وتراكمات مختلفة شاخت التجربة، تعرض الوفد لاهتزازات، وعرف صراعات وانقسامات، فتذبذب الأداء، وانخلع عن الشارع تدريجيًّا، وانكفأ على مشكلاته الداخلية، فذبل أثره، وصار مُجرد كيان اسمى وشكلى دون فاعلية حقيقية، وأصبحت عبارة «الوفد ضمير الأمة» مجرد عبارة ماضوية بحتة، شعاراتية فقط.

مع ذلك لم يغب الاسم، وكما قال لى الصديق أنور الهوارى يومًا بأن بقاء الوفد ولو اسمًا يمثل معجزة لافتة تستحق الدراسة. وتصورى أن الاسم لم يتلاش على مدى مائة وسبع سنوات لأنه ارتبط بأعظم زعماء الأمة وبلحظاتها المجيدة.

لكن بقاء الاسم وحده لا معنى له، لأن هناك حياة سياسية ساكنة فى مصر، وهناك عوالم وخرائط تتغير حولنا، وهناك دولة مدنية تكبر وتتسع وتتمدد، ولها تحديات كبيرة وقضايا ملحة تستلزم تعددية سياسية واعية ورشيدة؛ لذا فإن صلاح الوفد وتطوره وتحوله إلى كيان مؤسسى فاعل هو بالضرورة صلاح للحياة السياسية وتجديد لدمائها المتجلطة.

يقول المهاتما غاندى (١٨٦٩-١٩٤٨) «إن يدًا مقبوضة لا تصلح للمصافحة» وهو ما يعنى أن انشغال الوفديين بمشاكلهم الداخلية وتقوقعهم على ذواتهم يجعلهم خارج حسابات السياسة، لذا فإن عليهم أن يقلبوا تُربة حزبهم، ويُجددوا دماءه، ويمنحوه أكسجين الحراك والتمدد.

أقول وأنا لست عضوًا تنظيميًّا بالوفد وإنما مُحب ومؤمن بقيمه، إن الوفد يلزمه أن ينفتح على العالم، ويتطلع نحو المستقبل، ويخاطب الأجيال الجديدة بلغتها، ويقدم تجربة رائدة فى صناعة كيان مؤسسى تسوده الجماعية لا الفردية.

ومع تقديرى ومحبتى الإنسانية للدكتور السيد البدوى، الذى ترأس الوفد لثمانى سنوات ٢٠١٠-٢٠١٨، أرى أن خطابه العام ما زال ماضويًّا، وعاطفيًّا، وأن تجربته فى رئاسة الوفد شهدت تقلبات غير منُتجة، وأهدرت فرصًا عظيمة للتمدد وخدمة الوطن، وأنها لم تبن الكيان الفاعل الذى يعمل بكفاءة وجماعية.

وأتصور أن البرنامج الحداثى الذى يتحدث لغة المستقبل، ويراهن على المؤسساتية والعمل الجماعى، والذى يتبناه د. هانى سرى الدين يُمكن أن يمثل بعثًا جديدًا لـ«الوفد» الذى دخل إلى العناية المركزة منذ سنوات.

والله أعلم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *