في مصر، لا يحتاج العرقسوس إلى إعلان؛ يكفي أن يعلو صوت البائع في أحد الشوارع القديمة، حاملاً وعاءه النحاسي اللامع، لتعلم الناس أن رمضان حاضر.
العرقسوس ليس مجرد مشروب يبرد الحلق بعد ساعات الصيام، بل هو جزء من المشهد الرمضاني العام، وعنصر ثابت في صورة الشارع المصري قبل أذان المغرب.
العرقسوس بين الفوائد والرمزية
يرتبط العرقسوس بنباته المعروف بفوائده الصحية، إذ يُعتقد أنه يساعد على ترطيب الجسم وتهدئة المعدة، مما يجعله مناسبًا لأيام الصيام الطويلة. لكن قيمته الحقيقية في مصر لم تتوقف عند فوائده الصحية، بل تحولت إلى رمزية خاصة؛ فوجود بائع العرقسوس بزيه التقليدي، وطريقته المميزة في سكب الشراب من الوعاء المرتفع إلى الكوب الزجاجي، يشكل مشهدًا يوميًا يسبق لحظة الإفطار بدقائق.
الطقس الرمضاني في أحياء القاهرة
في أحياء القاهرة القديمة، خاصة حول مسجد الحسين وخان الخليلي، يتحول العرقسوس في رمضان إلى جزء من الطقس العام: السائح يلتقط الصور، الطفل يراقب بدهشة، والكبار يستعيدون ذكريات زمن كان فيه كوب العرقسوس أول ما يلامس الحلق بعد يوم صيام طويل.
حضور الشارع والموروث الشعبي
اللافت أن العرقسوس ظل مشروب الشارع بامتياز. وبينما دخلت العصائر الحديثة البيوت والثلاجات، بقي العرقسوس مرتبطًا بالحركة، بالصوت، وبالنداء الذي يشق الزحام. حضوره يعني أن الوقت يقترب، وأن لحظة الأذان باتت على الأبواب.
ورغم تغير أنماط الحياة، لا يزال العرقسوس حاضرًا في كثير من الأحياء الشعبية، وإن قلّ عدد باعته مقارنة بالماضي. بعضهم ورث المهنة أبًا عن جد، محافظًا على الزي التقليدي وطريقة التحضير نفسها، وكأنهم يحرسون قطعة من الذاكرة الجماعية: الطربوش الأحمر، الحزام العريض، والوعاء النحاسي الذي يلمع تحت أضواء الشارع.
العرقسوس.. طقس وذاكرة
في النهاية، العرقسوس ليس مجرد شراب، بل قصة علاقة بين رمضان والشارع المصري. هو طعم يختلط بالحنين، وصوت يوقظ ذكريات الطفولة، وصورة تترسخ في الذاكرة كلما حل الشهر الكريم. وفي زمن تتغير فيه التفاصيل سريعًا، يبقى كوب العرقسوس شاهدًا على أن بعض الطقوس الصغيرة قادرة على حفظ هوية كاملة.
